في 12 كانون الأول 2005، صحوت على الفاجعة، شعرت بأنّ أمراً أصابكَ. كنتُ على يقين أنّك مُستهدف منذ بدأت أدرك أنّ الإجرام يتربّص بكل لبناني يحاول إحداث تغيير ما في وطنه.
كنت أخشى أن يطالك المجرمون لأنهم لن يسمحوا لأمثالك بالاستمرار، وهم يتصدّون للصفقات على حساب المواطن والقيم والوطن.
في 12 كانون الأول 2005، رنّ الهاتف للمرّة الأولى، ولمرّتين ثانية وثالثة. لم أجرؤ على الإجابة لأنني لم أُرد أن أسمع الخبر الذي كان يجتاح لاوعيي. حاولت، لدقائق، أن أهرب، أن أتفادى سماع ما كنت دائماً أخاف سماعه. لكنّ هروبي لم يبدّل فيّ مرارة الواقع. فيد الإجرام طالتك وكل مخاوفي والتحذيرات لم تمنعك من العودة، ومن مواجهة قدرك الذي اخترته طوعاً.
في 12 كانون الأول 2005، تيقّنت أن كابوس اغتيالك تحقّق، لم أعِ يومذاك أن هذا الكابوس سيتحوّل واقعاً دائماً، وأن غيابك سيترك فراغاً لا مثيل له. لم أدرك آنذاك أن دفنك دفن الكثير معك، على كل الصعد النفسي والمعنوي والوطني.
أشياء كثيرة رحلت معك، وأشياء كثيرة بقيت، لكنّها فقدت بعضاً من رونقها ونكهتها.
لم يسعني وداعك، لأنّ إجرامهم لم يترك من جسدك الكثير، لكنّه ترك ما يتجاوز الجسد الفاني، وهم بذلك لا يعلمون. رحلت كما أردت، ودخلت التاريخ كما أحببت، وستبقى دائماً مختلفاً.
8 سنوات… الفراغ لا يملأ، والألم لا يشفى، والشوق إلى ازدياد والحاجة إليك تكبر وتزداد إلحاحاً.
غريب كيف إن بعض الناس، حتى في غيابهم، موجودون أكثر من الموجودين.
بعد 8 سنوات، أكتب لك كما في كل سنة، لكنني أخجل من إخبارك عما يفعلون. أحزن أن أقول لك إنّ البعض رحل، وأخجل من القول إنّ البعض الآخر تآمر مع قوى الأمر الواقع. أما الآخرون فاستمروا في مخطّطهم الجهنّمي لأخذ لبنان إلى حيث مصالحهم الاقليمية. ولهذا نالوا منك ومن أمثالك، كي يزيلوا العوائق وصوت الضمير. أخجل من القول لك أن لبنان أصبح ساحة للصراع السوري، وأنه بات وطن الفراغ والتعطيل. أخجل أن أقول لك إن الكثيرين نسوا، أو تناسوا، والذين لم ينسوا لا حول ولا قوة لهم.
أخجل من أن أقول لك إنه بعد 8 سنوات لا حقيقة ولا تحقيق، ولا محاولة جدية للتقدّم في ملف اغتيالك.
لن أتشاءم في ذكراك، لأنّك لم تتشاءم في أصعب الظروف. لن أتشاءم مهما حصل، لأنّي أعلم أن كل تضحياتك وتضحيات كل من أعطى حياته للبنان، لا يمكن سوى أن تزهر يوماً، وأن القيامة، قيامة لبنان، ستأتي. وفي الذكرى، هذه السنة، سنتذكّركم بالصلاة، فقط بالصلاة، أنت وجدّي غسان وكل فقيد في العائلة، فأنتم باقون في ضمائرنا ووجداننا وتطلعاتنا.