نلسون مانديلا علّمت أمثولتُه في الكفاح والحرية، الحضارةَ لقبائل أفريقية، فبكاه العالم المتحضّر، حتى مَن كانوا خصومه. هكذا ربح مانديلا في حياته وفي مماته.
يوم رحيله شعرنا نحن اللبنانيين كم نحتاج الى مانديلا بلديّ يعلّمنا كيف تجتمع قبائل هذا الوطن على حب الوطن الذي كان بعض بنيه قبل ثورة استقلالهم الثانية يستحون من تسميته وطناً، فكان اسمه البلد. فليت تعاليم هذا الآتي من منطقة القبائل السود تعمّ وطن “الوحدة الوطنية” والتآخي. وقد سمّيناها تعايشاً هذه الوحدة وطنية، فإذا الحيوانات الداجنة تتعايش في منازلنا بطريقة أفضل بكثير من تعايشنا نحن.
بلا مؤاخذة من حضرتكم، قد يأخذ البعض على خاطره لأني أتكلم من منطلق ديني إيماني، لكنْ غير طائفي. ولمَ لا. فالأحداث تحشرنا نحن المسيحيين، من معلولا وراهباتها المسكينات إلى بلدان عربية أُفرغت من مسيحييها. هذه البلدان تكره العلمنة، لأنها كلمة لم ترد في كتب العقيدة. هل تتذكرون “الزعيم الخالد” عبد الكريم قاسم حين محا الحزب الشيوعي في مهرجان شعبي فعلّق الشيوعيين على أعواد المشانق في ساحات بغداد ودعا الشعب للاحتفال رقصاً تحت جثثهم وقدّم مجاناً طعاماً عربياً أصيلاً يكلله السمك المسقوف؟
هل تتذكرون الحزب الشيوعي السوداني؟
الأحزاب والأديان المدنية والعلمانية ليس مسموحا لها بأن تعيش وتتفاعل في هذه المنطقة. يزيد بالطين بلّة أن بعض الطوائف في المنطقة لا تريد أن تفهم أنها غير مرغوب بها. حياء المسيحيون وتهذيبهم هما سبب الوضع السيئ الذي هم فيه. فقد صدّقوا من قال لهم من ضربكم على خدكم الأيمن أعطوه الأيسر. هكذا يسايرون سيدهم، سيد المحبة، فيربح من ضربهم أجراً عند الله تعالى.
وقد توالت عمليات إلغاء الاحزاب العلمانية في الدول العربية برمتها من سوريا إلى أقصى المغرب العربي الكبير. كلنا نذكر ما قاله يوماً فخامة الرئيس عبد الناصر عندما تكلم بهزء عن حزب البعث سائلاً باللهجة المصرية: إيه دا مؤسس حزب اسمه ميشال؟ دا إسم عربي؟
خلال الحرب اللبنانية أرسل السودان سودانيين ليقاتلوا عندنا بعد أن أوهموهم بأنهم يقاتلون لاسترجاع فلسطين. هل تتذكرون ذاك المعمّر سيادة العقيد الذي عرض على اللبنانيين ملايين الدولارات كي يتركوا دينهم ويلتحقوا بالاسلام؟ سيادة العقيد كان مسلماً مشبوهاً في إسلامه. منذ سنوات أفتى أحد المفتيين في دولة خليجية معروفة باعتدالها، ان على المسلمين أن يمنعوا بناء الكنائس على الأراضي العربية. هو ليس أفضل من ذلك الاميركاني الذي حاول نصح المسيحيين بترك لبنانهم وبإعطائهم بديلاً من وطنهم أراضٍي شاسعة تؤلف مساحة أكبر من مساحة لبنان في منطقة فلوريدا، وكان قد جهّز البواخر التي ستنقلهم ببلاش إلى وطنهم الجديد، لكن بعض المسيحيين الذين درسوا جغرافيا العالم تنبهوا إلى أن فلوريدا منطقة تماسيح فرفضوا العرض الاميركاني وبقوا في وطنهم المحاط بأشنع من تماسيح فلوريدا.
أمتعصب أنا؟ يمكنكم أن تظنّوا بي ما تشاؤون. فأنا لبناني مسيحي، مدني، علماني، لم أختر طائفتي ولا فئة دمي ولا لون بشرتي ولا حتى نوع إعاقتي، لكني أصدّق غصباً عني كي أرضي والديّ: إنو كل شي بيجي من الله منيح.