كتبت صحيفة “النهار”:
اذا كانت العاصفة ” الكسا” بصقيعها وجليدها وثلوجها تمكنت من اشغال فراغ اللبنانيين مدى ايام وظهرت باقصى قوة ماساة متدحرجة للاجئين السوريين في لبنان الذين يتربص بهم المزيد على مشارف شتاء صعب لهم وللبلد الاكثر رزوحا تحت ازمة تثقل عليه فوق مجموع ازماته فان هذا الصقيع لم يعكس ما يعتمل به الواقع السياسي الداخلي الذي يبدو كانه وضع على سكة احتدام تصاعدي ومتدرج .
فخلف الزيارة الخاطفة التي قام بها امس رئيس الوزراء الايطالي انريكو ليتا لبيروت كانت تتفاعل في كواليس سياسية ورسمية تداعيات الحملة الحادة التي تشنها قوى معروفة في قوى “٨ اذار” على ثلاثة محاور. الاول يتركز على رئيس الجمهورية ميشال سليمان بوتيرة اعلامية وسياسية شبه يومية . والثاني يتناول قوى “١٤ اذار” ولا سيما منها تيار المستقبل وهذه المرة بداعي انه يعمل للتمديد للرئيس سليمان. والثالث يتناول المحكمة الخاصة بلبنان على مشارف انطلاق المحاكمات في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ١٦ كانون الثاني المقبل .
هذا الهجوم الثلاثي اكتسب دلالته من التزامن الذي املاه والذي بدا معه كانه نذير تحمية للسلوك الذي سيطبع مسار قوى “٨ اذار” او على الاقل بعضها في ظل معطيات توحي بان الموجة الاولى من الهجوم فشلت على محاوره الثلاثة معا كما يرى المعنيون من خصوم هذا الفريق وتحديدا في قوى “١٤ اذار”. ذلك ان مصادر بارزة في فريق “١٤ اذار” قالت امس لـ”النهار ” ان مجمل هذه الحملات انتهت بسرعة الى العودة الى نقطة الصفر التي يبدو ان الاخفاق في تعويم حكومة تصريف الاعمال كان محركها في الهجوم على سليمان وقوى “١٤ اذار” فيما تكتسب محاولات التشويش على المحكمة الدولية طابعا اخر يتصل ببدء المحاكمات. وتعتقد هذه المصادر ان ثمة معطيات تؤكد ان الهجوم على سليمان يهدف الى احداث خط احمر واثارة مناخ ترهيبي حيال الخطوة التي يعتزم رئيس الجمهورية القيام بها في شان تشكيل حكومة انتقالية مع اقتراب المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي من مواعيدها قبل ٢٥ اذار المقبل ولكن الحملة تتخفى بذريعة اتهام سليمان بالسعي الى التمديد. كما ان ثمة هدفا اخر يقف وراء الحملة وتجسد في اتهام تيار المستقبل بالدفع نحو هذا الخيار وهو اثارة الخلافات داخل صفوف قوى “١٤ اذار” باعتبار ان ثمة مرشحين محتملين عديدين بين شخصياتها مما من شأنه ان يزعزع وحدة هذا الفريق .
في اي حال يبدو هذا الكباش مفتوحا على مزيد من التداعيات خصوصا في المرحلة التي ستعقب حلول السنة الجديدة والتي سيغدو فيها الاستحقاق الحكومي ضاغطا بقوة اكثر من اي وقت مضى علما ان ثمة ما ينبئ بان جسور الوساطات والجهود ستعود الى الواجهة في مطالع الشهر المقبل في مساعي متجددة للبحث عن تسوية حكومية علها تكون المسعى التوافقي الحاسم لتشكيل حكومة جديدة انتقالية لم يقطع المعنيون بها بعد الامل في امكان توافر ظروف لها كفرصة اخيرة قبل الوصول الى خيارات قسرية اخرى. ويبدو ان ثمة مشاورات بعيدة عن الاضواء تجري خلف الكواليس في هذا الصدد وتتناول توضيحات لمواقف واتجاهات معينة سواء من النواحي الدستورية المتعلقة بالوضع الحكومي بكل احتمالاته في الفترة الانتقالية ام سواها من امور .
وقد علمت ” النهار ” في هذا السياق ان بعض الاتصالات التي اجريت في الساعات الاخيرة بددت التباسا احاط بالحملة التي تناولت رئيس الجمهورية اذ تبين ان لا علاقة اطلاقا لرئيس مجلس النواب نبيه بري بما نسب اليه في شأن انتقادات لسليمان واتهامه بالعمل على ربط لبنان بمحور اقليمي معين او بالسعي الى التمديد .
وسط هذه الاجواء تبدو قوى “١٤ اذار” مقبلة على تحويل المؤتمر الذي ستعقده اليوم في طرابلس عنوانا لتمسكها بوحدة المدينة وحمايتها من تداعيات محاولات استباحتها عبر الفتنة المذهبية والطائفية. وقد علم ان الامانة العامة لقوى “١٤ اذار” التي نظمت المؤتمر اعدت ورقة للنقاش والتداول تتضمن مجموعة نقاط سيعمل المدعوون الى المؤتمر الذي يضم فاعليات المدينة وقوى المجتمع المدني فيها الى قوى “١٤ اذار” على بحثها ومناقشتها وتعديلها بغية التوصل الى ما سمي ” اعلان طرابلس ” . وتتناول هذه النقاط بصورة رئيسية التشديد على اعتبار طرابلس مدينة نموذجا للعيش المشترك بين مكوناتها المثلثة الاضلاع الرئيسية السنية والعلوية والمسيحية وابراز اهمية الطائفة العلوية كجزء من التكوين اللبناني والمطالبة بنزع السلاح في المدينة من سائر الفئات ورفض كل اشكال العنف ومظاهره وظواهره ورفض استخدام المدينة ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية على حساب ابنائها كافة .
الى ذلك بدا ان زيارة رئيس الوزراء الايطالي لبيروت والتي تخللتها زيارة تفقدية لكتيبة بلاده العاملة في قوات اليونيفيل وكذلك زيارة تفقدية لاحد مخيمات اللاجئين السوريين قد اعادت الى الواجهة توصيات مجموعة الدعم الدولية للبنان التي صدرت لدى ولادة هذه المجموعة في نيويورك في ٢٥ ايلول الماضي . ذلك ان رئيس الوزراء الايطالي تناول مع الرئيس سليمان ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي مبادرة بلاده الى عقد مؤتمر في روما مطلع السنة المقبلة يخصص لدعم الجيش ضمن اطار توصيات مجموعة الدعم الدولية . كما انه اعلن تقديم ٥٠ مليون دولار مساهمة في جهود الامم المتحدة لمساعدة لبنان على تحمل اعباء اللاجئين السوريين .