
البلاد تغرق بالفراغ المتدحرج الذي يجتاح المواقع والمؤسسات الواحدة تلوى الاخرى… والعصي “الملغومة” توضع أمام الاستحقاقات الانتخابية وأولها الانتخابات النيابية في مساع لتحويل صناديق الاقتراع الى صناديق موت للحياة الديمقراطية ( ولو بشكل نسبي ومجتزأ) التي تميّز بها لبنان… والاحزاب السياسية عندنا بعضها يجاهر بالتوريث السياسي من الجد الى الأب فالابن، وبعضها يبحث عن “تخريجة” تعتمد على “ديمقراطية” صورية لتشريع توريث أهل البيت، والبعض الآخر يعدل قوانينه ليمدّد ويمدّد لرأس هرمه متسلحاً بفتوى أو توكيل شرعي… حتى الاحزاب التي لا يتعدى عدد جمعياتها العمومية أصابع اليد تهرب من المسار الديمقراطي…
وحدها “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع، حسمت خيارها بالسير عكس التيار، وبدأت مسيرة الالف ميل نحو حياة حزبية ديمقراطية… مسيرة ليست بنزهة، وستتطلب نضالات وتضحيات جمّة في مجتمع مصاب بوباء “الزبائنية” والعصبية العائلية الضيقة، ومثقل بذهنية لا تتقبل الخسارة كما الربح… مسيرة التنشئة على الديمقراطية وترسيخ مفاهيمها في المجتمعات تطلبت عشرات بل مئات السنين في الدول المتحضرة، فكيف في مجتمعنا الشرقي الذي إعتاد في معظم الاحيان على نمط “مبايعة” زعيم المجموعة أو كبير العائلة بلا حسيب أو رقيب، او على حلول “تبويس اللحى”… فأضحت حتى أحزابه بمعظمها على صورته ومثاله عوض أن تقود حركة التغيير…
فبعد اعلان شرعة حزب “القوات اللبنانية”، وفتح باب الانتساب وفي خضم التحضير للمؤتمر العام في الحزب الذي سيكون بوابة الانتخابات الحزبية وفرز القواعد القواتية لمسؤوليها في القرى، اقدمت الهيئة الادارية في مركز دير الاحمر في “القوات اللبنانية” على تقديم إستقالتها طوعاً بغية تفعيل عملها الحزبي وبدأ التمرس على ديمقراطية صناديق الاقتراع. فدير الاحمر التي كانت طليعية في تقديم الشهداء في زمن الحرب، هي اليوم سباقة في الجسم القواتي في الاحتكام الى الديمقراطية، الجسم الذي هو على موعد مع هذا الاختبار بعد أشهر قليلة….
فشكّل يوم الاحد الانتخابي بإشراف الامانة العامة للحزب وإدارة الماكينة الانتخابية لمنطقة البقاع الشمالي، مدماكاً صلباً في البناء الحزبي الديمقراطي. توزعت الاقلام بين مركزين احدهما في دير الاحمر والاخر في الضبية: صناديق إقتراع، لوائح شطب، ماكينات إنتخابية للمرشحين، مندوبون، عوازل، صرامة في تطبيق القوانين، وروح ديمقراطية بين الرفاق المتنافسين… والملفت كان نجاح الماكينة الانتخابية لمنطقة البقاع الشمالي في “القوات” بالاستفادة من التطور التكنولوجي لإلغاء المسافات، فكان عدد المقترعين في المركزين يظهر بشكل فوري على الشاشة، وكذلك عملية الفرز التي تمت بالتوازي بين دير الاحمر والضبية.
تجربة دير الاحمر تجربة مشرّفة للقوات اللبنانية، ولكنها أيضاً نموذج حضاري تقدمه “القوات اللبنانية” ليس فقط للبنان بل للعالم العربي ولربيعه الذي مهما طال مخاضه لا حياة له إلا بـ”أوكسيجين الديمقراطية”…
