كتب فادي عيد في صحيفة “الديار”:
ترتدي السجالات الحادة التي تركّز منذ أيام على استحقاقي رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة طابعاً بالغ الخطورة، كونها تكشف، كما وصفها مرجع وزاري سابق يدور في فلك 8 آذار، بـ «المقدمة» لمرحلة سياسية صعبة حافلة بالتحديات الداهمة للساحة الداخلية ، إذ أن مشكلة لبنان التاريخية ما زالت متمثّلة في صعوبة تداول السلطة بين المسؤولين منذ سنوات طويلة، وكل محطة إنتخابية سواء كانت الإنتخابات النيابية أو الرئاسية، أو عملية تشكيل حكومة تتحوّل على الدوام إلى امتحانات قاسية تضع مصير البلاد في مهبّ الريح. واعتبر المرجع أنه على إيقاع التطوّرات الدامية التي تسجّل بشكل يومي على الساحة السورية، تتحرّك الساحة اللبنانية فيتراجع التوتّر حيناً ثم ينشط حيناً آخر، من دون إسقاط الهاجس الأمني الذي تحوّل بدوره استحقاقاً يوازي بأهميته استحقاقي تغيير الحكومة وانتخابات رئاسة الجمهورية. وبالتالي، فإن الفصل الجديد من الهجوم المسجّل على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من قبل قوى 8 آذار يمثّل الوجه الآخر للمشهد السوري المحتدم عشية مؤتمر «جنيف2»، خاصة أنه يأتي بعد أقل من شهر على الإشتباك السياسي الذي دار بعد الإطلالات الإعلامية للأمين العام السيد حسن نصرالله الذي تناول المعادلات الإقليمية الجديدة بعد الصفقة النووية الإيرانية.
لكن المرجع الوزاري السابق، لاحظ أن رياح الداخل تسير بعكس التوجّهات الإقليمية والدولية التي تبدو متّفقة، وفي سابقة نادرة الحصول، على استمرار تحييد الساحة اللبنانية عن ساحات التوتّر في المنطقة، إذ في الوقت الذي تتفجّر فيه براكين إرهابية وطائفية في الدول المجاورة لا تزال الصورة في لبنان تحافظ على الحد الأدنى من التفاهم بين كل الطوائف، وذلك بغض النظر عن الإنتماءات السياسية، لأن الخلافات في لبنان لا تزال ديمقراطية، ولم تأخذ أي منحى طائفي أو دموي كما هو الوضع في العراق أو في سوريا، وهذا ما يشكّل صمّام الأمان للبنان إذا ما أضيف إلى القرار الدولي الثابت بإبقاء بيروت ساحة للتحرّكات الديبلوماسية الغربية باتجاه المنطقة وملاذاً آمناً للنازحين السوريين على أراضيه. وانطلاقاً من هذا الواقع الدولي والإقليمي، فإن الوضع المأزوم اليوم سيشهد إمتحاناً صعباً في الأسابيع المقبلة بدأنا نلمس مؤشّراته الأولية من خلال الحملات على رئيس الجمهورية أولاً، واتهامه بالعمل لتشكيل حكومة أمر واقع، بينما يتقاسم فريقا 8 و14 آذار المسؤولية في وضع العراقيل أمام أي حكومة مستقبلية سواء عبر الفيتوات المتبادلة، أو من خلال التأثيرات الخارجية التي باتت تتحكّم بالمشهد السياسي بالكامل.
وكشف المرجع الوزاري القريب من 8 آذار نفسه، أن مرور ثمانية أشهر على تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل حكومة جديدة، لن يؤدي إلى دفعه للاعتذار، وتوقّع أن يواصل الرئيس سلام مهامه فينجح مع مرور الفصل الأول من العام المقبل في تشكيل حكومة إجماع وطني تعمل على مواجهة الفراغ الرئاسي المحتمل، وتكون مهمتها الأساسية إجراء انتخابات رئاسية والحفاظ على الإستقرار. وأكد أن هذا التوجّه يعكس قراراً أميركياً وروسياً مشتركاً، سينضم إليه الجانب الإيراني بعد تكريس تحالف أميركي ـ إيراني إنطلاقاً من التسوية النووية الإيرانية، مما سيجعل من كل الفيتوات على مشاركة «حزب الله» في الحكومة ساقطة، ليكون الحزب ركناً اساسياً في الحكومة، وذلك على الرغم من معارضة قوى عربية وأوروبية.
في المقابل، فإن هذا القرار الدولي بخصوص لبنان سيتلاقى مع توجّهات التيارات الوسطية التي تعمل في الكواليس لإنقاذ الإستحقاق الرئاسي عبر تشكيل حكومة تتولى عملية إجراء انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعيداً عن كل ما يطرح ويحكى حول معارك للتمديد أو لاستمرار الفراغ وبقاء «ستاتيكو» التعطيل الحالي.