#adsense

لماذا افتعل «حزب الله» معركة حكومية وهمية؟

حجم الخط
في الوقت الذي كان الاستحقاق الرئاسي قد استأثر في كلّ الاهتمام والسجال، أعاد «حزب الله» التركيز بشكل مفاجئ على الاستحقاق الحكومي من زاوية التحذير من حكومة أمر واقع.
من الطبيعي أن يتصدّر الاستحقاق الرئاسي كلّ الاستحقاقات الأخرى، لأنّه اعتباراً من 25 آذار يصبح انتخاب الرئيس محتملاً، الأمر الذي يجعل تأليف الحكومة خياراً يمكن أن يلجأ إليه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف في حالة واحدة تتعلّق بشعورهما بتعذّر إتمام الاستحقاق الرئاسي وفي ظلّ رغبة الرئيس ميشال سليمان بتأليف حكومة متوازنة تتولّى إدارة البلاد بعد الفراغ الرئاسي.

ومن البديهي أن يتحوّل الاهتمام الحكومي إلى مسألة ثانوية، لأنّ أيّ حكومة يمكن تأليفها ستُعتبر مستقيلة عند بدء ولاية رئيس الجمهورية، ومن غير المنطقيّ إدخال البلاد مجدّداً في نقاشات تبدأ من الثلث المعطّل ولا تنتهي بالبيان الوزاري، فيما عمر هذه الحكومة الفعليّ لن يتجاوز الأشهر الأربعة، هذا في حال تمّ تأليفها مطلع العام المقبل، وبالتالي من غير الجائز صرف الأنظار عن الاستحقاق الرئاسي الذي يجب أن يستحوذ على كلّ الاهتمام اللازم، إلّا في حال تعذّر هذا الانتخاب وانزلاق البلاد إلى الفراغ الرئاسي، الأمر الذي يجب أن يدفع بسليمان في الساعات الأخيرة على انتهاء ولايته إلى أن يُصدر، بالاتفاق مع سلام، مرسوم تشكيل الحكومة.

هذا في الجانبين الأولوية الرئاسية والعامل التقني الحكومي، وأمّا في الجانب السياسي فالأنظار مشدودة إلى مسألتين أساسيتين: الأولى، الدينامية التي أطلقها الاتفاق النووي والتي يُنتظر أن تتوسّع وتتفعّل باتجاه تبريد الملفات الساخنة في المنطقة، حيث إنّ هناك مصلحة لإيران بأن تظهر حسن نواياها في لبنان من دون أن تقدّم في المقابل أيّ تنازل جوهري، وبالتالي من المتوقّع أن تتجاوب مع الاتصالات الدولية-الإقليمية-المحلّية لتأمين انتقال هادئ في الرئاسة الأولى. والمسألة الأخرى تتّصل بـ”جنيف 2″ وما يمكن أن يسفر عنه من حلحلة أو مزيدٍ من التعقيد.

تأسيساً على ما تقدّم، كلّ القوى السياسية بانتظار تبلوُر المشهد الإقليمي، وسليمان وسلام ليسا في وارد اللجوء إلى خيار خلافيّ-انقساميّ قبل استنفاد كلّ الاتصالات وانقشاع الرؤية الخارجية، ولذلك السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لجأ “حزب الله” في هذه اللحظة بالذات إلى التهديد من أيّ حكومة أمر واقع، والتذكير بموقفه الرافض تسليمَ الوزارات، وبالتالي افتعال نقاش لا أساسَ واقعيّاً له؟

من الواضح أنّ انطلاق السباق الرئاسي شكّل إحراجاً وإرباكاً لـ”حزب الله” الذي لا يريد الالتزام بأيّ موقف من الآن والتراجع عنه لاحقاً، فضلاً عن أنّه من الواضح أيضاً أن لا رغبة لديه بتبنّي ترشيح العماد ميشال عون، ويتّكئ على التطوّرات الخارجية لتحسم هذا الملف بالشكل الذي لا ينعكس على تحالفه مع “التيار الوطني الحر” الذي ما زال بحاجة إليه بغية تأمين الثلث المعطّل في أيّ حكومة، لأنّه خلاف ذلك سيضطرّ إلى العودة لمبدأ الفيتو، كما أنّ انفصال “التيار الوطني” يفقده الغطاءَ المسيحي ويشكّل إخلالاً في التوازن بين 8 و14 آذار لمصلحة الأخيرة.

فالضغوط التي انهالت على “حزب الله” بعد إطلالة السيّد حسن نصرالله التلفزيونية وتجاهله ترشيح عون أو التمنّي عليه الترشّح عبر كلامه عن ضرورة اجتماع مكوّنات 8 آذار للاتفاق على الشخص الذي يجسّد نهج المقاومة، فيما كان يجب أن يكون ترشيح عون بديهيّاً ومحسوماً، وبالتالي هذه الضغوط بالذات هي وراء تحوير الحزب النقاش عن الاستحقاق الرئاسي وإعادته إلى المربّع الحكومي تجنّباً لأيّ تشرذم داخل صفوف 8 آذار، وسعياً إلى ترحيل الحسم رئاسيّاً حتى اللحظة الأخيرة التي قد تحمل معها حلولاً تجنّب الحزب الشرخ الذي يحاول تلافيه.

وإن دلّت الوقائع على شيء، فعلى أنّ “حزب الله” لا يملك الجهوزية بعد للتعاطي مع هذا الاستحقاق، وبالتالي من المتوقع ألّا يكون السجال الحكومي آخر الملفّات الساخنة التي يحاول فتحها الحزب، حيث سيعمد إلى فتح ملفّات جانبية في كلّ المرحلة الفاصلة عن الاستحقاق الرئاسي لإثارة الغبار السياسي وإبعاد الأنظار قدر الإمكان عن هذا الاستحقاق، لعجزه عن الخروج بمرشّح أوحد عن الضاحية لرئاسة الجمهورية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل