القى الصحافي راجح الخوري في اللقاء التكريمي الذي اقامه جهار الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” لنصير الأسعد وبيار صادق في معراب، كلمة جاء فيها:
ايها الحضور الكريم في هذه المناسبة الحميمة،
شكراً للدكتور سمير جعجع رئيس حزب قوات اللبنانية، الذين جمعنا اليوم في إستذكار الوفاء والتقدير والاقتداء،
وشكراً لكم جميعاً وقد إلتيقنا لتكريم فارسين من كوكبة المقاتلين بالفكر والحبر وقد صارا من أعمدة قلعة لبنان الذي طالما واجه غزاة ومتأمرين .
ايها الاصدقاء،
لا يتسع القلب لمرثيتين، لكن الحكيم لم يرد هذه المناسبة للمراثي بل للاستذكار ولتجديد العهد، فلا قيام لوطن من دون عهد يحمله كل منا على طريقته ، فهناك منا من يستشهد بالرصاص والتفجير، وهناك منا من يستشهد بالوجع وانفجار القلب.
نلتقي لنجدد العهد على تلك الطريق التي مضى عليها، رفاق لنا في الهاجس اللبناني، وفي الطموح الانساني الشريف، وفي ثمالة المعاناة والألم حتى الارتحال الفاجع والوطن مصلوب لم يترجل بعد، وثلة كبيرة من الشرفاء سبقونا بعدما وقّعوا شهاداتهم إما بالدم وإما بالوجع .
وقعوا لكنهم لم ولن يمضوا وان مضوا، فهمّ فينا احياء يرزقون يناقشون ويعترضون كما كانوا، بذلك الحبر الممزوج بعصارة القلب سواء أطلَ الحبر صرخة كاريكاتور صادقة جداً من ريشة مبدعة، او حضر من يراع مقال بارع ينصر لبنان الوطن الذي يتقاسمون ثيابه والعافية منذ زمن، ولم نعد ندري الى كم يحتاج من الشهداء قبل ان يتدحرج الحجر.
فعلاً لا يتسع القلب لمرثيتين، لكن المناسبة هي لتجديد توقيعنا على عهد لبنان الوطن السيد الحر المستقل ، والهيكل المنظّف من العشّارين والافّاكين، حتى لو كان توقيعنا عند تلك البوابة التي تفتح على الطريق الذي عليه مضى الاخيار، اخي الحميم جداً بيار وصديقي الحميم جداً نصير .
انه الطريق القويم ، والذين سبقونا عليه ، ليسوا افضل منا فحسب بل اكثر حظ منا، وبالتأكيد اسعد حال منا ، وهم في حضرة الرب مقيمون ومن جنانه قاعدون ومن شرفة السماء علينا مطلّون،
ولا بد من ان يكون بيار صادق ونصير الاسعد قد فرشا اجنحتهما هذا الصباح وسبقانا الى هذه القاعة، فها هي انفاسهما تغمر هذا الحضور المحب .
ايها الاصدقاء،
ماذا اقول في بيار صادق، جار العمر الذي طالما رأيت فيه باقة من ألم الحقيقة المرة ولكن في غلاف من ضحك الواقع البائس ، ليس لأن شر البلية ما يضحك والبلايا ممسكة بعنق لبنان ، بل لأنه كان كما كتبت زوجته حنان الف بارّ بين الأبرار والف صادق بين الصدّيقين .
ماذا اقول في جار العمر وقد كان بيار جاري في الهم، وجاري في الوجع، وجاري في العمل، وجاري وراء جدران البيت المركزي ، وجاري في الصفحة الاخيرة من النهار، وجاري في الهروب من بحر الى بحر لإبعاد العائلة عن القصف والجنون، وجاري في تذوّق الفن رسماً وغناء ، وجاري في صداقة عاصي الرحباني ومنصور والياس وفي جزعهم ايضاً ، وجاري وشريكي في الاستسلام لصوت فيروز، وليس من عبث او طرب ان يرندح لبيار طوال حياته مقطعاً واحداً يختصر كل الحكاية “بيقولوا زغيّر وطني …” تعبيراً عن شعور داخلي متأجج هو عبارة عن اعترض على ان لبنان المعذب يجب ان يكون مسوراً بالغضب فالكرامة غضب والمحبة غضب والغضب الاحلى بلدي .
لبنان بيار صادق لم يكن وطناً فحسب بل آنية اختزن فيها الغضب والالم والقهر والمعاناة والمرارة والقرف والاعتراض على واقع الوطن ، وكان التعبير عن كل هذا البركان يتم بالضحك والسخرية ، وما رأى فيه الكثيرون من ضحايا بيار صادق ضحكاً انما كان في الواقع غضباً وعتباً واعتراضاً .
كان جاري في الشكوى وفي رش الملح على الجروح ، ولكم عبأنا جروحنا بالملح ليرقص طيرنا مذبوحاً من الالم، ولكم هربنا من الوجع الى سويعات الطرب الانيس مع ثلّة الاصدقاء الحميمين ومعظمهم صار عند بيار .
صحيح كان بيار يرسم لحرية لبنان كما كتب الرئيس سعد الحريري ، وصحيح انه كتب السياسة بريشته وصنع الحدث بألوانه وكان الضمير الواعي كما كتب الدكتور سمير جعجع، لكنه كان فناناً شريفاً صادقاً في التعبير عن مشاعر الناس حيال السياسة والسياسيين وشاهداً لحرية لبنان كما قال له الرئيس الشهيد رفيق الحريري ذات صباح وكنا ثلاثتنا في مكتبه في قريطم نتصفح الجرائد ونحكي في الانتخابات عام 2000 .
ويا ايها الاصدقاء
ماذا اقول في زميلي وأخي نصير الاسعد ، الذي كانت له فرادة الكاتب والمفكر والمثقف، وقد نبتت عنده اصابع يده، اقنية متصلة ، لا تتوافر إلا للاخيار، تربط بين الحبر يسيل من الاقلام والدم يسيل من الآلام، بينما الكلمات تسيل من العقل والمخيلة، لتولد سلسلة العمر من نصوص على شكل مقالات او محاضرات او ملاحظات لم تكن يوماً، إلا من اجل لبنان والقضية العربية والانسانية الشريفة .
عاش صديقي الحميم نصير طوال حياته نصيراً للشفافية والاستقامة والنزاهة والتواضع الجمّ، فمنذ اوائل شبابه في الستينيات بدأ ناشطاً في الحركات الطلابية ثم الحزبية على قاعدة واحدة لم تتغير في الجوهر وان تغيّرت المواقع، بما يعني ان ما رآه نصير جوهراً سيكون ايديولوجيا وجدانية عميقة تظل ترسم خطاه وتحدد رأيه ومسيرته .
ايها الاصدقاء ،
على حافة نهر الدماء النازفة من سلسلة الشهداء الذين إلتقطنا اشلاءهم كما نلتقط حبات القلب المنثورة فوق جغرافيا لبنان، غالباً ما كنا نلتقي وغالباً ما كنت اتحسس في اعماق نصير ذلك الغضب اياه ، الذي اراده ايضاً ،ان يكون سوراً يحمي لبنان بلد الخير والجمال، الذي مزقوه ، واذا كان الغضب اشعل البركان في صدر بيار صادق شهيد الوجع للبنان، فالغصب اياه أجج البركان في قلب نصير الاسعد شهيد الوجع للبنان .
ايها الاصدقاء ،
كنت هنا في معراب في الاجتماع الذي عقدناه اثر المحاولة الآثمة لاغتيال الدكتور سمير جعجع، كان نصير تقريباً يجلس الى جانبي عندما انفجر غاضباً وقال: الى متى الصمت وقد وصل وقاحة المجرمين حد القيام بهذه المحاولة الدنيئة … والى متى السكوت والقعود يا اهل 14 آذار … وكدنا جميعاً ان نصفق من ضيق الصمت ومن صبر ايوب .
لم يكن نصير يطلق صرخة ألم، بل كان يطلق بعضاً من الانفجار المتنامي في داخل جوهره الوطني الرائع، ذلك الانفجار الذي سيذهب الى القلب الكبير، ونصير لم يمت بل استشهد، بعدما شكّل نبراساً للشرفاء في ثورة الارز وجعل من حياته واسلوب عيشه خطاً يحتذى ويشكل علماً في بناء لبنان الوطن، كما كتب عنه الدكتور جعجع.
ختاماً ايها الاصدقاء
اذكر تماماً انه يوم اغتيل زينة الرؤساء بشير الجميل، الذي على طريقة جبران خليل جبران، لم يظهر من نور جمهوريته إلا الدخان، ان رسم بيار صادق صورة حمامة السلام هابطة من السماء تحمل رسالة من بشير الى اللبنانيين تقول:
“وتفضلوا بمتابعة المسيرة”
ايها الاصدقاء ما دام لنا قادة يحرصون على مثل هذه المناسبة الغالية والحميمة ستبقى لنا اقنية متصلة مع زملائنا واحبائنا الذين وقعوا بالدم والقهر للبنان الوطن السيد الحر والمستقل… وسبقونا .
اختم بالقول ان ثمة حمامة سلام هابطة من عند بيار صادق ونصير الاسعد وهي تحمل الينا رسالة تقول: وتفضلوا بمتابعة المسيرة
وشكراً للدكتور جعجع وللقوات اللبنانية ولكم ايها الحضور الكريم.