كتبت فاطمة حوحو في صحيفة “المستقبل”:
حظي مؤتمر طرابلس الذي نظمته قوى الرابع عشر من آذار تحت عنوان “العيش المشترك مسؤولية وطنية مشتركة” يوم الأحد الماضي، بمتابعة حثيثة في الوسط السياسي، وأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام أهل الشمال على مختلف انتماءاتهم وتلاوينهم، وكانت مشاركة فاعليات علوية تحدت التهديدات لافتة على مستوى ما طرحته والأفكار التي قدمتها والصورة التي أوضحتها وبيّنت مخاطر حصر تعاطي البعض مع الطائفة العلوية بحزب “آل عيد”، وأكدت أنها جزء من النسيج السياسي والاجتماعي المتنوع القائم في طرابلس والشمال وأنه لا بد من خلق بيئة حاضنة تستطيع أن تحمي العلويين الخارجين عن سلطة “آل عيد” الذين يتحدثون باسم الطائفة ويدّعون حمايتها، في حين أنهم مجرد عصابة مأجورة لنظام مأجور.
في إضاءة على هذه المشاركة المميزة بكونها قوى مدنية، عملت وتعمل مع الفاعليات الطرابلسية من أجل وضع حد لمشاريع الفتن المتجددة عبر جولات القتال ومن أجل طرابلس خالية من السلاح، ومن أجل السلم الأهلي وحفظ المدينة من سرطان الحرب المذهبية، الذي يصدر من الخارج وتستفيد منه أطراف سياسية مرتبطة به أو تجّار السلاح ومن وراءهم في الداخل، التقينا عضو كتلة “المستقبل” النائب بدر ونوس الذي اعتبر أن “مؤتمر طرابلس طريقة فضلى لجمع كل الأطياف اللبنانية وقد أظهر تعاطف الجميع ومحبتهم للمدينة، بعد المواقف التي تسببت بجرها الى حافة الحرب، ونتيجة ممارسة الظلم والعدوان ضدها”.
ويأمل أن يكون طرح المصالحة بين جبل محسن وباب التبانة ناجحاً، إلا أنه يستدرك “قد لا يحل ذلك المشكلة، إذ سبق أن اجتمع الرئيس سعد الحريري مع كبار السياسيين في لبنان والنواب، من أجل المشكلة، وهو تحمّل أعباء لم نكن ننتظر القيام بها، فأنا حينها كنت معارضاً للكثير من المواقف، إلا أنني قبلت بها، لأن الرئيس الحريري يمون على الأولاد والعائلة. لكنني حذرت حينها من أن المتقاتلين قد لا يتجاوبون، لأن هناك بعض الرموز الوضيعة التي تباع وتشترى تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه وأن تستمر المعارك من أجل قبض الأموال، وبمجرد الايعاز الى المتقاتلين بالانسحاب ووقف المعارك من قبل هذه الرموز فإن حالة الاقتتال القائمة تنتهي، فعلي عيد (أمين عام الحزب العربي الديموقراطي) تم “تغنيجه” كثيراً، أما مقاتلو التبانة فهم يخضعون أيضاً لقرار معلميهم، إذا تم إيقاف تمويل المتقاتلين، تعود طرابلس الى وئامها ومحبتها القائمة وقبول الآخر والتسامح بين أهلها موجود في العمق، المشكلة تكمن في أن المصالحة ستجري بين مَن ومَن، والخوف من أن تحصل عملية ابتزاز خلال السعي لإنجازها من قبل رؤساء المجموعات القتالية من الجهتين، لأن السلاح يعميهم والبعض منهم اغتنى من وراء تجارة السلاح والقتال وهؤلاء يحتاجون لأكثر من الدولة ولأكثر من مؤسسة قادرة على دفع المليارات من أجل السيطرة عليهم ومنعهم من تفجير المحاور، الحل سياسي بالدرجة الأولى يقضي بوقف الحنفيات التي تفتح لدعمهم والعودة الى الضمير”.
أما عن المشاركة العلوية في المؤتمر ورأيه في المداخلات التي قدمت من قبل مشاركين ينتمون للطائفة العلوية، فيوضح أن المشاركين الموجودين من الطائفة العلوية، معظمهم يعيش خارج جبل محسن، فجبل محسن لا يمثل العلويين، في البداية كان بالإمكان القول أن ثقل العلويين في جبل محسن، أما اليوم فهم منتشرون في طرابلس وفي كل أنحاء الشمال، لكن بعد المعارك هجر نحو 60% منهم الى مناطق الشمال، ومن بقي في جبل محسن فهو إما مَن يريد أن يقاتل وإما فقير معدوم ليس باستطاعته أن يغادر منزله ولا حول ولا قوة له في ذلك، العلويون منتشرون في طرابلس ومساهمون في بنائها وإعمارها، وكل الكلمات التي قيلت في المؤتمر شددت على ان أبناء جبل محسن ليس بإمكانهم التحرك بسبب التهديدات التي يتعرضون لها، وقد شارك عدد منهم في اجتماعات مع مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار منذ فترة وتم تهديدهم جميعاً، ورغم ذلك كان الحضور العلوي في المؤتمر لافتاً حيث عبّروا عن محبتهم لطرابلس واستنكارهم لما يجري ولو كان هناك شعور بالأمان بالنسبة الى كثيرين لكانت المشاركة أوسع، إلا أن البعض فضّل عدم المشاركة حتى لا يتم تهديده ومن أجل أن يحافظ على مصالحه الخاصة في عمله وحتى لا يتضرر نتيجة التهديدات، ورغم ذلك كان عدد المشاركين العلويين مميزاً ومداخلاتهم كانت مميزة أيضاً، وكان هناك نخب علوية لا تريد التغيب عن مثل هذا المؤتمر وهؤلاء هم الذين يمثلون العلويين، أما الذين لم يستطيعوا الحضور فقد عبّروا عن اهتمامهم بالمؤتمر من خلال الاتصالات التي أجروها لمعرفة ماذا دار داخل المؤتمر، واليوم هناك إرهاب يمارسه “الحزب العربي الديموقراطي” ورفعت عيد ووالده على العلويين أكبر بكثير مما يمارس على الطرابلسيين الآخرين”.
ويتوقف أمام الأحداث التي جرت من إطلاق نار على بعض العمال العلويين وإحراق محال بعضهم في المدينة، مؤكداً أن “مثل هذه الممارسات تخدم آل عيد وتوجهاتهم، ومعناها أن السنّة يقتلون العلويين وليس عليهم إلا الاحتماء بالحزب العربي الديموقراطي”.
ويشدد على أن “الطائفة العلوية منفتحة رغم إرهاب آل عيد”، مشبهاً “الحزب العربي الديموقراطي” بالسرطان الذي أصاب الطائفة، ومؤكداً أن “الجميع لامس هذا الجرح الأليم حين تحدث في المؤتمر، فهو جرح علوي قبل أن يكون جرحاً سنياً علوياً، فإساءات آل عيد الى الطائفة أكبر من أن تستطيع هذه الطائفة تحملها، خصوصاً أن ذلك عرّض الأبرياء لاعتداءات مرفوضة في طرابلس، بينما لم نر أي اعتداء على جماعة آل عيد ومقاتليهم، هناك يد آثمة تريد إبقاء الطائفة العلوية معزولة عن غيرها، ولكن لا بد من الاعتراف أنّ الرأسمال العلوي موجود في طرابلس فالمحال التجارية التي يمتلكها أشخاص من الطائفة هي قلب البلد، وفي الكورة وهي اليوم منتشرة في مجدليا وزغرتا. الخلاف ليس مذهبياً، وأكبر دليل أن القرى العلوية في عكار حيث التداخل قائم والعلاقات طبيعية وممتازة والعيش المشترك ظاهر، فلماذا هذا الأمر قائم في عكار بينما في طرابلس هناك سعي الى تدمير العيش المشترك؟ من المؤكد ان هناك أيدي آثمة تسعى الى ذلك”.
ويلفت إلى ان “لجنة المصالحة لم تتشكل حتى الآن ولكن سوف يتم تشكيلها قريباً”، ويستدرك “إذا كانت الدولة عاجزة عن تنفيذ الأحكام التي صدرت بحق البعض في طرابلس وعاجزة عن وقف الاقتتال وعاجزة عن وقف تسليح المتقاتلين في طرابلس وجبل محسن وعاجزة عن وقف تمويلهم، فإنّ أرضية المصالحة يجب أن تركز على ذلك، أما الشعب “الآدمي” فهو يتصالح بسرعة ولا مشكلة لديه في التعامل مع الآخر، المطلوب أن لا نجعل من صورة المدينة قندهار جديدة كما يحاول البعض تسويق ذلك”.
ويركز على “ضرورة سحب الترخيص من الحزب “العربي الديموقراطي” وهو لديه اصلاً رخصة جمعية وليس حزباً، لأن لديه أعضاء ملاحقين بتهم”.
ويؤكد أن “الجيش لو أراد حسم الأمور لاستطاع ذلك، هو يلاقي الترحيب والمحبة من جميع أبناء طرابلس، وهو موجود، لكن الأهم أن ينجح في منع دخول السلاح، والعبرة ليست في نشر الحواجز وإنما الضرب بيد من حديد، ومن المؤلم سقوط الشهداء في صفوفه، ولكن ذلك أفضل من أن يسقط البلد شهيداً، لا أمل إلا بنزع السلاح وعدم التهاون مع حامليه والمتاجرين فيه، والتخلص من نغمة أنا لا أستطيع تطويق أو مداهمة هذه البناية أو تلك أو ملاحقة هذا الشخص أو ذاك”.
