خصوم “حزب الله”.. “ناكرو الجميل”

فكرتان تبقيان من خطاب “حزب الله” في الآونة الأخيرة، إذا ما طرحنا جانباً المؤثرات الزجرية والتوعّدية التي خفّ نسبياً مفعولها بعد اتساع رقعة تورّط الحزب في سوريا والانعكاسات الدموية المباشرة لهذا التورط على الداخل اللبناني.

الفكرة الأولى هي أن “حزب الله” وزعيمه “السيد حسن” يسجّلان على “الفريق الآخر” انه يعتمد اللعبة الخاسرة سلفاً نفسها، التي سبق اختبارها في موضوع تقرير حال الحرب من حال السلم، ثم في موضوع السلاح في الداخل، والآن في موضوع تدخّل الحزب في سوريا.

فعند كل عتبة يعمد الفريق المناوئ للحزب في الداخل الى دعوة الأخير للعودة الى استئناف “الشراكة” بشرط أن يتراجع الحزب عن الذهاب بعيداً في مناقضته للإجماع الوطني، مرة إذ هو يأخذ على عاتقه قرار الحرب والسلم جنوباً، ومرة إذ يعمد إلى تأديب مناطق وبيئات لبنانية بسلاحه، ومرة إذ يبعث بالآلاف من شباب الطائفة الشيعية للدفاع عن نظام آل الأسد وضد النسيج الأكثري السني من الشعب السوري الثائر.

ما يقوله لنا “حزب الله” أنه عند كل منعطف يحطّم رقماً قياسياً جديداً لجهة خروجه على الإجماع الوطني وعلى آخر معالم الكيانية والميثاقية، لكن الفريق الآخر يقف عاجزاً أمامه، لا يستطيع ثنيه عمّا هو مقدم عليه، بل إنّ الفريق الآخر يتطبّع عملياً مع الأمر الواقع الذي كان فرضه الحزب في العتبة السابقة. فمن كان يطالب بتسليم قرار الحرب والسلم إلى الدولة، ثم بسحب السلاح من الأزمة الأهلية الداخلية، يبدو اليوم وكأنه غضّ الطرف عملياً عن هذين الأمرين، وصار يرهن استئناف المشاركة الحكومية مع الحزب بـ”انسحاب” الحزب من سوريا. فكأن لسان حال خصوم الحزب الداخليين هو الترحّم على زمن كان يكتفي فيه الحزب بمصادرة الإجماع الوطني ودور الدولة في موضوع الحرب والسلم وكيفية ادارة الصراع مع اسرائيل لبنانياً، ومن ثمّ الترحّم على زمن كان يكتفي فيه الحزب بمحاصرة شريان الحياة التجارية والاقتصادية في وسط العاصمة ثم غزو الشطر الغربي منها وبعض الجبل، فالشرّ الأوّل يبقى أقلّ من الشرّ الثاني، والشرّان السابقان أقلّ من الشرّ الحالي.

خلاصة الفكرة الأولى أن الحزب يسأل خصومه الداخليين: ألم تبيّن لكم التجربة أنكم أعجز عن ايقافي عند حدّي، وأنه ليس لي حدّ يحدّني، وأنه في كل مرة انتقل فيها إلى طور إضافي “التفرعن” تسلّمون عملياً بالأطوار السابقة؟ في هذا بالتأكيد الكثير من الصحّة: سوى أنّ الحزب ينسى أنه في كل مرة يتسلّق صخرة جديدة يوسّع هامش مخاطرته بذاته، وربعه، وبالهيكل اللبناني الهشّ بشكل عام. فلو سلّمنا جدلاً انّ خصومه يتطبّعون عملياً مع الأمر الواقع الذي فرضه قبل الطور الحالي، فانّ ذلك لا يعني أنّه أنجز مرحلتين في “اللعبة الافتراضية” وهو الآن ينجز الثالثة. هذا التقسيم خيالي محض. الارتكاز عليه أكثر من اللازم يجعل المراهنة أشبه بلعبة ميسر.

أما الفكرة الثانية التي يقنع الحزب نفسه بها، قبل التباهي بطاووسيتها أمام خصومه، فهي أنّ تدخله في سوريا، يلحق ضرراً بتيارات سياسية لبنانية لكنه يعود بالخير على جميع الطوائف اللبنانية بلا استثناء، فهو الذي يحمي تعددية المسيحيين واعتدال السنة وخصوصية الدروز، وبالتالي فإن أساس مشكلته حالياً مع خصومه أنهم ناكرون للجميل.

هنا أيضاً ثمّة مقدار من الصحّة. فالاستعصاء الداخلي عن حل مشكلة “حزب الله” إنما تسمح الانتفاخة الحربية الاستنزافية للحزب شرقاً باتاحة المجال لتجاوزها، لأن الحزب إذا “عاد” من سوريا فلن يعود كـ”حزب الله” الذي كنا نعرفه قبل هذا التورّط، أياً كان مضمون العودة وشكلها. إصرار الحزب على القول إنه لن ينسحب من سوريا يعني إصراره على معرفة الجواب النهائي للتاريخ بشأنه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل