فهذه المنظومة “الإلهية” التي انتقلت بين ليلةٍ وضحاها من مقاومة إسرائيل إلى تأمين كل سبل الراحة لذاك الكيان الكيماوي، من خلال الدخول على الخط المشتعل ما بين التكفيري السنّي الذي بات يواجه التكفيرييَّن الشيعي والعلوي، وضعت جميع اللبنانيين من دون استثناء في مهب الخطر الأمني والشلل الاقتصادي والهجرة التي تغتال “الشهيد المهاجر” تلوَ الآخر، هرباً من هذا البؤس المنتشر على مساحة الـ10452 كلم2 المُهدد تارةً بالتقسيم وتارةً أخرى بالتفجير والعرقنة.
وإذا كانت الطائفة الشيعية بأغلبيتها شبه الساحقة ارتضت لنفسها أو ابتلعت موسى دفع الضريبة الأغلى نتيجة الحرب السورية التي أقحم “حزب الله” نفسه في وحولها، ما الذي يدفع بالمسيحي أم السني أم الدرزي ليقبل قدره الموضوع في جيب الولي الفقيه ومقاومته الإسلامية غير المعترفة لا بالدستور ولا بالقوانين ولا بكل ما يمت الى اللّبننة بصلة؟ ما الذي يضمن بعد اليوم عدم تفشّي ظاهرة الأمن الذاتي دفاعاً عن النفس التي باتت مُهددة كلّ حين، عشية الأعياد التي فقدت رونقها بسبب عنجهية هذه الفئة وعدم ارتفاع صوت الحلفاء – العملاء اعتراضاً على النكبة التي أصابت لبنان بسبب الخروج غير المقبول وغير المنطقي وغير البريء عن تحييده؟
يوماً بعد يوم، تنكشف نيات “حزب الله” الحقيقية، ليؤكد المؤكد أن خطابات الماضي والأحلام، ما زالت قائمة، وما التفاهمات الورقية التي أبرمها ذات شباط، إلا غاية لتبرير الوسيلة ومظلّة تمدد من خلالها إلى حيث كان يشتهي. “حزب الله” يُخطئ بيَد ويعتذر بيَد، يقتل بيَد ويشارك بالجنازة بيَد، يتلبنن بيَد ويعمل على تحقيق أهداف ولاية الفقيه والمستلزمات بيَد. التجربة تقول ذلك، الماضي والحاضر يقولان ذلك، أما المستقبل فلا يُبشِّر بعكس ذلك.
“حزب الله” لا يُقيم وزناً لأي مؤسسة رسمية في لبنان، ولا حتى لأي حليف. هو “البلدوزر” الذي يحمل مشروعاً تنكشف خيوطه الخطيرة يوماً بعد يوم. “حزب الله” يُريد تهجير المسيحيين من لبنان، ويريد أيضاً عرقنته، نعم يُريد ذلك مهما قال ومهما فعل أو افتعل. ممارساته تقول ذلك، الهجوم اليومي الممنهج على رئاسة الجمهورية والعمل على إفراغها يشي بذلك، إقصاء سعد الحريري وتهجيره واستبداله بالسلفيين يؤكد ذلك، تهديد وليد جنبلاط دلالة على ذلك، إعطاء المبرر للإرهابيين يقول ذلك، استجلاب الحرب إلى العمق اللبناني يقول ذلك، عدم قبوله بترسيم الحدود يقول ذلك، “حزب الله” يغتال لبنان و”يعلم”.
كم تبدو مغارة الميلاد حزينة هذه السنة، لا أجواء ميلادية ولا ضحكات أطفال ولا حركة اقتصادية ولا أي شيء من هذا القبيل، باتت “المولات” شبه مهجورة إلا من بعض “المغامرين” نتيجة تقاطع “الرعب والطفَر”، وباتت الروح وسلامتها، هاجساً أساسياً يختطف أي فرصة ممارسة لأدبيات الميلاد وطقوسه والاحتفاليات.
يوماً بعد يوم، تتضِح معاني مقولة السيد حسن نصرالله الذي رفض في إحدى محاضراته الشبابية “البقاء لحظة واحدة في أجهزة حزب الله العاملة لو لم يكن متأكداً أنها تتصل مباشرةً بالولي الفقيه” معتبراً أن الغناء حرام، مذكراً أن بلاد جبيل هي أرض المسلمين وما المسيحيون إلا غزاة، في حين كان هناك من قال “نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه”. ففي القديم من المواقف تكمن العبرة وكلّ العبر… أما العيد، فيبدو أنه صار بعيداً، حتى إشعار آخر.