#adsense

زغرتا “قبلة” العائلات… تنافسوا وتحالفوا وتقاتلوا

حجم الخط

كتبت رينا ضومط لـ”الجمهورية”:

لبنان مكوّن تاريخياً من عائلات وطوائف، وهذه التركيبة الفريدة تجسد توازناً دقيقاً، وبفعل هذا التوازن نجحت التجربة اللبنانية التي قال عنها يوماً البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: «لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة»، وبالتالي التحدي الأساسي أمام اللبنانيين يكمن في كيفية الحفاظ على هذه التعدّدية التي تشكل القيمة المضافة للبنان. وفي هذا السياق تفتح «الجمهورية» اليومَ ملفَ العائلات… بدءاً من زغرتا…

العودة الى الماضي تُظهر أنّ الإقطاعيّة الأولى في الشمال، خصوصاً في منطقة زغرتا الزاوية، كانت إقطاعيّة آل الضاهر في عرجس، اضافة الى إقطاعيّات أخرى منها إقطاعيّة آل الشمر في كفرحاتا، وآل اسطفان في كفرصغاب، وآل رفول في إجبع وغيرهم… فالاقطاع كان موجوداً في القضاء الزغرتاوي، لكنه لم يكن موجوداً فعلياً في زغرتا المدينة.

وقد نشأت المؤسسات العائلية في مرحلة ما بعد الاقطاع وكان مفهومها تقليدياً أكثر منه اقطاعياً، وأَحكمت قبضتها على كلّ مقدرات القضاء. وفي السابق، بلغت النزاعات بين الأطراف حَدّ النزاع الدموي العنيف. وفي الخمسينات من القرن الماضي، كان النزاع على السلطة في زغرتا والقضاء، حيث ذهب ما يفوق الـ120 قتيلاً من زغرتا والقضاء وكثُرَت الخلافات على السُلطة بين العائلات في محاولةٍ منها للإمساك بزمام الأمور. فمن جهة، كان تحالف آل فرنجية وآل معوض، وفي الجهة المقابلة الأب سمعان الدويهي. أما آل كرم فاتفقوا مع الدويهي في النظرة السياسية العامة، وكانت زعامتهم “غائبة عن السمع”، فالتفّوا حول الدويهي بسبب نزعتهم اليمينيّة المسيحيّة التي كانت ترتكز الى البطريركية المارونية في المفهوم الى جانب الميول الشمعونية. أما الطرف الثاني، أي آل فرنجية وآل معوض، فكانا مع طرحَي الرئيس فؤاد شهاب والعروبة. وبلغ النزاع بينهما ذروته عام 1958 خلال الثورة، وتحديداً في “مجزرة مزيارة” في 16 حزيران 1957 حيث تقاتل الموارنة للمرة الأولى داخل الكنيسة، وتشبّث كلّ من الفريقين بآرائه وبأنّ الطرف الآخر مُخطئ، وكان ذلك تجسيداً لمفهوم العنف الذي كان سائداً بين العائلات بين عاميَ 1957 و1958. واستمرّ هذا النزاع حتى 1963، وفي هذه المرحلة ضاقت العائلات الزغرتاويّة ذرعاً من الحال السائدة، بعد “الأثمان البشريّة والاقتصادية والاجتماعية” الباهظة التي تكبّدتها. وأمام هذا الواقع، شكّلت العائلات مفهوماً جديداً هو: “نختلف في كلّ شيء، وليكن لكلّ منّا خياراته السياسيّة”. فباتت اللائحة الإنتخابيّة تتكوّن من “ثلاثيٍّ انتخابي”: الأب سمعان، فرنجية، معوض. فالأباتي كان شمعونيّاً، ومعوض كان شهابيّاً وفرنجية كان مُعتدلاً. واستمرّ هذا الوضع حتّى وفاة أقطاب هذا الثلاثي.

وفي عام 1958، إنقسمت زغرتا إلى جبهتين تفصلهما خطوط تماس. وبات “شارع الساحة” الذي نشبَ النزاع عليه، منقسماً بين طرفين غربي وشرقي، وكان تحالف بين آل الدويهي وآل كرم من جهة، وآل معوّض وآل فرنجية من جهة أخرى واللذان وقفا ضد اليمين المتمثل بالرئيس شمعون.

وفي المرحلة الممتدّة بين عامَي 1965 و1966، ساد تفاهم جذري وعميق بين الرئيس رينيه معوّض الذي تميّز بالحنكة السياسية وقدرته على تدوير الزوايا، والأب سمعان الذي تميز بالجرأة والشجاعة وقدرته على المواجهة. وقد إستطاع هؤلاء الاقطاب بتفاهمهم هذا تشكيلَ توازن في الداخل الزغرتاوي.

وفي العام 1970 بلغت قوة آل فرنجية ذروتها مع وصول سليمان فرنجية الى رئاسة الجمهورية بعد انتخابه بفارق صوت واحد على منافسه الياس سركيس، والمفاجأة بالأمر أن حليف الأمس الرئيس معوض لم ينتخبه اما خصمه اللدود الاب سمعان انتخبه.

وفي عام 1975، شكّلت الحرب مفصلاً أساسيّاً في المشهد السياسي، فقد نمّت النظام العائلي، وفرزت جيلاً جديداً هو جيل الحرب. وحصل اندماج شعبي في مواجهة الخصوم الموجودين على الساحة كالفلسطينيين وغيرهم، وإتفقت العائلات في ما بينها على ضرورة أن تحمي بعضها من الأخطار. وفي أواخر عام 1977 بدأ التناحر الحزبي العائلي مع انتشار حزب الكتائب في المنطقة.

ولقد كان آل فرنجية الاقوى في كل المراحل، أما آل الدويهي فكانوا في استمرار في موقع المواجهة. وآل معوض كانوا يعيشون في كنف آل فرنجية وحضورهم الفاعل. ولكنّ التوازن بدأ يضمحلّ بعد مجزرة اهدن التي أوقعت الزعامات الإهدنية في أسرها، وبسط آل فرنجية سيطرتهم على لواء “المردة” الذي كان قد تأسس لمواجهة الأخطار المحدقة بزغرتا، وتكرّس هذا اللواء مؤسسة عسكرية خاصة بهم، وبدأوا يؤسسون مفاهيمَ لقيت دعم دمشق. وبذلك، أصبح فرنجية الأقوى عملياً، حيث كان يتولّى سدة رئاسة الجمهورية وزعامة ميليشيا.

بعد وفاة الأب سمعان في 7 آذار 1988 واستشهاد الرئيس معوض في العام 1990 تغيرت التحالفات، فاندلع نزاع بين آل الدويهي على الارث السياسي الذي سرعان ما أضعفهم. فلم يكن للاب سمعان وريثٌ سياسي، ولكن من الناحية العملية والجوّ والبيئة، كانت هناك تحضيرات لتسليم الزعامة الدويهية الى يوسف بهاء الدويهي خلفاً للأباتي، وعجِزَ النائب الحالي اسطفان الدويهي عن تكريس زعامته، على رغم فوزه في الانتخابات النيابية مرات عدة وتسميته وزيراً في إحدى الحكومات.

وظلّ آل معوض متحالفين مع آل فرنجية الى فترة وجيزة. وأبقت الوزيرة السابقة نائلة معوض على التحالف معهم شرط المحافظة على خصوصية كلّ منهما. من جهته، وجد الدويهي نفسه أسيرَ نزاع داخلي، فيما إستمر الوضع السياسي لآل كرم على حاله.

دخول الكتائب

 

لم يرتَح الرئيس فرنجية لدخول حزب “الكتائب” الى المنطقة خصوصاً أنّ الولاء السياسي لأبناء القضاء بات يميل إلى الاحزاب، وتحديداً الى “الكتائب” الذي كان هو الاقوى عملياً، والى حزب “الأحرار” الذي كانت قوّته تتمثّل بالطرح الشمعوني. اما في الداخل الزغرتاوي، فظهرت لدى العائلات نزعةٌ ضدّ “الكتائب” ولكنها لم تكن عنيفة. غير أنّ التحوّل الكبير برزَ بعد “مجزرة اهدن”، وهنا برزت قوة فرنجية الذي فرز الشمال المسيحي وجعله ارضاً خصبة له ليتزعمها بدعم سوري. وقد طغت قوة فرنجية على سائر العائلات، في ظلّ انكفاء آل الدويهي الذين واجهوا مشكلاتٍ سياسية عنيفة ودموية، وأبرزها “حادثة المرداشية” حيث تقاتلوا في ما بينهم ضمن المفارقة السياسية.

ووسط هذه التطورات، انسحب آل معوَّض من القضاء وتجمَّعوا في منطقة جغرافية مُعيّنة وفي أحياء خاصة بهم في زغرتا، فانتشر تيار “المردة” في القضاء وسيطر عليه.

عودة الاحزاب الى زغرتا

ظلّ آل معوض في فترة ركودٍ وهدوء على رغم الحضور الفاعل الذي استطاع تأمينه الرئيس الشهيد رينيه معوض، إلّا أنّ الوصاية السورية أدت إلى تحجيم تمدد آل معوض نتيجة سياستهم السيادية والمواجهة لمنطق الوصاية، ولكن مع انسحاب الجيش السوري في نيسان 2005 بدأت مرحلة التغيير التي تبدلت معها معطيات الواقع اللبناني، حيث لعب في هذا السياق رئيس حركة الاستقلال ميشال رينيه معوض دوراً بارزاً مع والدته السيدة نائلة في “ثورة الأرز”، وذلك في موازاة الدور التأسيسي والتراكمي الذي أداه النائب السابق سمير فرنجية اعتباراً من العام 1992 عبر تواصل ثابت مع بكركي أفضى إلى تشكيل نواةٍ مسيحية ببعدٍ وطني نجحت في التأسيس لانتفاضة الاستقلال.

اما حزب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” فعادا الى قضاء زغرتا بعد سنواتٍ من “مجزرة إهدن”. حضور “القوات” كان متجذّراً في المنطقة منذ الاساس، لكنّه لم يكُن ظاهراً وقد شُبّه بالجمر تحت الرماد، ولاحقاً ظهرت قوّته وتفاعله في قلب زغرتا بتحالفه مع آل معوض.

أما حضور رئيس تيار “المردة” النائب سليمان طوني فرنجية في زغرتا فهو أكثر ثقلاً وثباتاً من حليفه “التيار الوطني الحر”. فـ”المردة” يُمكنه “هضم” “التيّار” في زغرتا الزاوية، الى جانب الازمات التي يتخبّط بها “التيار” على المستوى المحلّي والمتمثّلة بمُحاكمة العميد فايز كرم بتهمة التعامل مع اسرائيل ومُشكلاته الخاصّة.

بينما، تتوازن “القوات” في القضاء مع ميشال معوض الذي لا يستطيع الطغيان عليها، والعكس صحيح، فهناك توازنٌ بينهما ضمن إطار العلاقة، وهذا ما ادى الى نموّ “القوات” في القضاء.

والحضور “القواتي” في زغرتا غير مرتبط بالتفاهم مع “المردة”، فالتفاهمات واللقاءات التي تحصل حاليّاً لا علاقة لها بالأداء “القوّاتي” اليومي على ارض القضاء. وللمرة الأولى منذ تأسيس “القوات”، افتُتح مكتب لها في زغرتا الزاوية وهذا ليس مرتبطا باللقاءات التي تحصل بين الطرفين تحت عناوين مختلفة، وهذا المكتب ليس تحدياً وانما طبيعي وضمن حرية العمل السياسي المتاحة للجميع.

خسارة ميشال معوض في إنتخابات 2009 كانت خسارة انتخابية لا سياسية، فضلاً عن أنه كاد يخرق لائحة فرنجية لولا اتفاق الـ”سين-سين” الذي ذهب ضحيته بطلب من الرئيس السوري خدمةً لرئيس تيار المردة. وأما خسارته الانتخابية البلدية فكان سببها مشكلات داخلية ضمن اطار التحالفات وادارة اللعبة، لكنّ هاتين الخسارتين دفعتا معوض الى الغياب لعامين عن الساحة الزغرتاوية، معللاً هذا الغياب والسفر لأسباب مادية، الأمر الذي أضعف بشكل أو بآخر حضوره، وهو يعمل اليوم على العودة بقوة إلى القضاء، خصوصاً بعد المهرجان الناجح الذي أقامه في ذكرى استشهاد والده.

ويبدو أنّ نجم طوني سليمان فرنجية بدأ يبرز في القضاء، وهو يحاول أن يشقّ طريقه متكئاً على شعبية والده وخدماته وقدراته.

ومن المعروف أنّ آل فرنجية يستطيعون اعطاء الدعاية التي يريدونها ويسوّقونها في الشكل الصحيح وهم يمتازون بانهم يُوَرّثون في مراحل القوة وليس في مراحل الضعف، فهم مَلَكيون الى اقصى حدود المَلَكية، فلا يطبقون مقولة “مات الملك عاش الملك”، وإنما يطبقون مقولة “ملك يورث ملكاً”.

قضاء زغرتا لا يشكل حالة فريدة من نوعها في لبنان، إنما يعكس واقع الحال في معظم الأقضية في لبنان، حيث إنّ للعائلات حضورها ووجودها، وإذا كانت هذه العائلات عاجزة عن مدّ نفوذها إلى خارج أقضيتها، إلّا أنها نجحت في المقابل في جعل الدخول الحزبي إلى هذه الأقضية يمر بالتحالف معها وعبرها… لا على حسابها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل