#dfp #adsense

الأمر الواقع

حجم الخط

 

من فرط استخدام مصطلح “الأمر الواقع” بات الواحد منا يتساءل: “أأنا واقع” أم “أمر واقع”؟ أأنا أمر سيصبح واقعاً، أم واقعاً سيصبح أمراً أو أمراً سبق ان وقع، أو انه قد يقع ولا يقع. والذين تابعوا فصول حروب الميليشيات منذ السبعينات حتى اليوم، مع بروز حزب الله كآخر عناقيد الخراب يعرفون ان هذا المصطلح درج استخدامه بدلاً من “الميليشيات” أو “القوى” غير الشرعية، أو “الكانتونية” أو الظواهر الطالعة من خارج الأعراف والقوانين والدوائر والشرعية والشرع. أي الظواهر سواء كانت “كتلاً” أو أحزاباً أو “طوائف” أو “عصابات” أو فرقاً مسلحة… فرضت نفسها بالقوة أو بالحاح الظروف، أو بجهات الخارج، على الإرادات الجماعية فصارت “موجودة” ومعترفاً بها. أي هي ما تَمظهرَ من خلال الظروف، هامشاً من الهوامش، تحوّل مَتْناً، وفرعاً تحول اساساً. ونظن أن هذه “العبارة” السيّالة، انما “ابتكرت” للدلالة على “قَدَرية” ما قاهرة أو عن “واقع” هو في عمقه افتراضي صار صورة، “مقدسة” تلتبس أصولها العنيفة، لتقدم نفسها، وكأنها بديل من الواقع الحقيقي. وقد عرفنا، وطويلاً، انها ارتبطت بمختلف المراحل التي مر بها لبنان، منذ 1969 وحتى اليوم. وبدلاً من أن تتماهى بما هو طبيعي وبديهي و”شرعي”. وقانوني، فقد تماهت بها هذه الأمور. وهناك من يرى ان هذه “العبارة” هي في الأساس نوع من تخفيف “التسميات” وبدلاً من الاشارة إلى القوى غير الشرعية، بأنها غير شرعية، وانها قوى ميليشيوية أو قوى من هيمنة الوصاية أو الاحتلال، أو العنف، فتخفيفاً نقول انها “أمر واقع”.

فالميليشيات السابقة صارت “أمراً واقعاً” فوق الواقع. والأطراف الخارجية. العربية وغير العربية التي تدخلت في لبنان، على امتداد الحروب، تحولّت بدورها من أطراف خارجية إلى “أمر واقع” داخلي تأصيل ما لا يؤصل. منظمة التحرير تحولت من قوة تحرير إلى قوة أمر واقع، أي كجزء سياسي من الواقع السياسي على حساب هذا السياسي. كُرست طرفاً قد “وقع” في الحسبان، والأثر والهيمنة بلا مانع مفترض أو غير مفترض. وحتى اسرائيل في احتلالها الجنوب تعامل معها أطراف عديدة وكأنها “أمر واقع” أكثر مما تعاملوا معها أحياناً كقوة “احتلال” مفروضة. الوصاية السورية، صارت هي الواقع “الأصيل” بديلاً من الدولة، حتى صارت هذه الأخيرة مجرد دولة افتراضية، غير موجودة. بل أكثر: صارت الوصاية السورية تبتكر كل يوم “أمراً واقعاً” لا علاقة له حتى بالمعطيات القائمة. فانتخاب الرئيس اميل لحود صار على الرغم من انه مجرد تعيين من الوصاية، رئيساً للأمر الواقع. ومجلس النواب كذلك مجلساً شاغراً يحتل كراسيه كائنات هيولية. وعندما جدّدت الوصاية لاميل لحود… وبالطريقة المُشينة التي نعرفها، صار اميل لحود مرة أخرى رئيساً بالأمر الواقع، لقوات الأمر الواقع السورية… وهكذا دواليك في المراتب الأخرى، فصار عندنا مثلاً حكومات أمر واقع، ووزراء أمر واقع (نتذكر الودائع الأخوية السورية في بعض الحكومات واللوائح الانتخابية) وقضاة أمر واقع، و”زعماء” أمر واقع، وإعلام أمر واقع وتاريخ أمر واقع وحدود أمر واقع، وقوانين أمر واقع، وقتل أمر واقع، ومذابح أمر واقع، وتهجير أمر واقع. بات الاستثناء هو القاعدة والقاعدة هي الاستثناء وعندما “شرّفتنا” إيران “تَكَثفَ” هذا “الأمر”. وتضاعف، وتنوّع من “الأمر الواقع العروبي” مع نظام “العروبة” في سوريا إلى آخر يربطنا بأمر جديد غريب، هو ولاية الفقيه. فمن “ولاية” فقيه البعث إلى ولاية فقيه إيران من دون ان ننسى “ولاية فقهاء بني صهيون” وكلها ولايات متحدة ومنسجمة في أهدافها. ومن بَطْن ولاية الفقيه خرجت كائنات جديدة سميت باسم “الله”. فصار عندنا حزب الله الآتي باسم الرب، ليحتل موقعه في “الأمر الواقع” لا علاقة له بالدولة، ويحكمها بالقوة. لا علاقة له بالشعب اللبناني ويهيمن عليه. وكما بَنَت الميليشيات السابقة أوكارها الكانتونية وجحورها المذهبية، بنى الحزب “معماريته” وأعلى وأعلى بشواهق وقلاع، وأسلحة. وهنا اتحد “الأمران الواقعان”: الوصاية السورية والوصاية الإيرانية في زواج “مِثلي” بين العروبة والفارسية. احتل الحزب المواقع التي اخلتها الميليشيات السابقة عندما انضمت إلى الدولة. والغريب أن هؤلاء الأخيرين ولأنهم انضموا إلى ما هو طبيعي وشرعي، صاروا إلى حد كبير بالنسبة إلى الحزب خارج “الحالة” الطبيعية. صاروا “خوارج” الواقع، وصار هو صلبه. فالحزب اليوم، ورث كل ما خلَّفته له الوصايات والميليشيات من عادات وموبقات وتقاليد: ضرب الدولة لتصبح خارج الدولة ، أي تصبح دولة رديفة أو تابعة أو مهمشة، أمام حزب الأمر الواقع. يُقرر الحزب خوض “الحروب” فتصير بادرته “الفردية، الخاصة، أمراً عمومياً وشأناً مكرساً. فالحروب والسلم والمواقف لا يقررها لا البرلمان ولا الحكومات ولا الجيش الشرعي ولا رئيس الجمهورية… بل “حزب الأمر الواقع”. لا شيء يمسّه. فهو، كجسم غريب، مسخ، وحش، سرطان، بات مقياس المواطنية الآتية من غير المواطنية ليصبح المواطن مجرد كائن لا أصل له ولا دور ولا حتى أرض ولا قرار. وهذا الحزب، “يُستدعى” أركانه إلى “لَدُن” الولي الفقيه الإيراني ليعودوا بقرار الانخراط في الحرب القائمة بين النظام والشعب السوري. هكذا: صارت الحدود افتراضية وحماة الحدود افتراضيين والناس افتراضيين. وصار الذين أعلنوا “النأي” عن التدخل في الحرب القائمة بين سوريا.. أي الدولة، اعلان بعبدا (والحزب نفسه قبل ان يتلقى فرمان الصدر الأعظم في إيران)، هم الخارجين على الواقع وبات الواقع في أيدي أهل الأمر الواقع. وإذا عدنا إلى بداية الاغتيالات في لبنان، وفي مقدمها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن ثم شهداء 14 آذار، وصولاًُ إلى وسام الحسن، ومروراً بمحاولتي اغتيال النائب بطرس حرب وسمير جعجع… نجد ان الاغتيال بات جزءاً من واقعنا. ترتكب الجريمة وكأنها “واقعة” عادية. بل كأنها صارت وسيلة سيطرة الحزب على السلطة في لبنان، بل وتكاد تكون طريقة عيشنا: ان يغتالنا هذا الحزب أو ذاك، يعني دخول عادة الاغتيال جزءاً من حياتنا. الموت نفسه، بأيدي هذا الحزب، صار “الأمر الواقع” وعندما انشئت المحكمة الدولية عوملت وكأنها من خيانات القوانين والأعراف والقضاء: “ظاهرة” مدسوسة في حقائق القتل، والارهاب. صار الافلات من العقاب هو “الأمر البديهي” المعترف به. وصارت حماية المتهمين بقتل الحريري وشهداء 14 آذار.. جزءاً من التعامل “الشرعي” والتشريعي مع الواقع. اللاشرعية هي القانون الواقعي والشرعية هي قانون الحزب. وعندما نَصَحَت أكثرية اللبنانيين حزب إيران بعدم الانخراط دفاعاً عن النظام السوري وان هذا الانخراط سيورط لبنان في ازمات وحروب سَخِر الحزب وطالب خصومه بالانتقال إلى سوريا للتنافس هناك على القتل والقتال. وعندها، صار “النأي بالنفس” تدخلاً والتدخل “واجباً جهادياً”. أكثر: صارت الفتاوى بالجهاد وسواه هي القانون “الوضعي” (قانون الأمر الواقع) وصارت القوانين والدساتير حبراً يُدلق خارج الواقع، وهنا بالذات نستذكر 7 أيار “المجيد” صار واقعاً تاريخياً… وبات العدوان الذي شنه الحزب وأعوانه على بيروت وأهلها والجبل من مقاييس “الأمر الواقع” الهادية والمرشدة في شؤون الدولة والناس والسياسة وهذا ما ينطبق على حرب تموز التافهة. تكبيد لبنان 3750 بين قتيل وجريح يخدم الانتصار الذي تجسد بقتل 70 إسرائيلياً.

وعندما قامت ايران والنظام السوري، وبتنفيذ الحزب بانقلاب القمصان السود تحول الانقلاب إلى واقع تشريعي غير قابل للمس أو المراجعة. وبدا ان استفراد السلطة بالقوة هو جزء من ممارسة الواقع ممارسة طبيعية وواقعية. صار المطالبون بالديموقراطية هم “الافتراضيين” ومنتهكوها هم الأصليين. والغريب في كل ذلك، ان هذا الحزب الذي يفرض كل يوم أمراً واقعاً، ها هو اليوم، يهاجم المعارضة ويتهمها بفرض الأمر الواقع. استقالت الحكومة. ثم كُلّف الرئيس سلام رئيساً وميقاتي مُصرّف أعمال وغير ذلك. ومع الوقت عاد “المُستقيل” ليُعوّم والمكلف بـ 124 صوتاً “مستقيلاً” وهكذا يبقى الوضع: حكومة لا تحكم. ورئيس مكلف لم يعد مكلفاً. وباتت أصوات الحزب و8 آذار التي صوتت لسلام… غير “معنية” وفي غياب الحكومة يفترض ان يؤلف الرئيس المكلف، ورئيس الجمهورية وزارة تُعرض على مجلس النواب، بحسب الأعراف. وهنا بالذات، انبرى الحزب ليعتبر ان ما يعطيه الدستور لرئيسي الجمهورية والمكلف عن حق هو فرض أمر واقع! حزب الأمر الواقع يتهم الشرعية بفرض الأمر الواقع، بفرض حكومة لا يؤلفها الحزب بوصاية سورية ايرانية. لا حكومة أمر واقع لا يفبركها حزب الأمر الواقع. حكومة القمصان السود هي حكومة شرعية واقعية أُلفّت في الشارع وبسلاح الشارع وبزعران الشارع ان تؤلف حكومة بعد المشاورات النيابية يضعها الرئيسان هي فرض واستئثار واستفراد! يريد حكومة لا تكون حكومة لكي تكسب شرعية. أي حكومة وزير خارجيتها مرتهن للخارج. ووزير عدلها يمارئ العدالة ووزير اتصالاتها يحجب الداتا عن فرع المعلومات ووزير كهربائها يُعمِّم العتمة ومعظم وزارئها يغرقون بالفضائح والصفقات والفساد، بلا محاسبة. ولا مراجعة. وكلها رهينة تلقائية بارادة الخارج. وبين الحكومة والتدخل في سوريا ها هي طرابلس مدينة التآخي والمواطنية يُراد لها ان تكون جزءاً من “ارهاب” الأمر الواقع، وها هو جبل محسن بقيادة عميل سوري خالص تصبح واقعاً وقلعة مقاومة. وجبلاً ممانعاً. حزب الله يؤِّمن أسلحة إلى جبل محسن وهذا الأخير بعملائه يحولون طرابلس كلها “أمراً” حزبياً. قائماً. وعندما اتُهم رفعت العيد بضلوعه في تفجير الشاحنتين امام المسجدين في طرابلس وكشف ذلك فرع معلومات، صار هذا الأخير معتدياً على وظيفته وعلى مهمته وعلى القانون. وعندما طالبت طرابلس كلها بنزع سلاح الجميع “هبّ الحزب” واعوانه، ومرتزقته باعتبار ان نزع سلاح “آل عيد” يحتاج إلى قرار سياسي باعتبار هؤلاء امتداداً “للمقاومة” (أين؟ في طرابلس!) بات فرع المعلومات مخترقاً للأمن وللشرعية وعميلاً للخارج، وصار عملاء جبل محسن وحزب الله هناك، تعابير عن “الواقع”. صار جهاز فرع المعلومات “أمراً واقعياً” (غير شرعي)، وعصابات الحزب والبعث جزءاً أساسياً من المناخ المطلوب… كل ذلك لابقاء العاصمة الثانية في اطار مهزوز، مترجرج، غير طبيعي، مفتوحة على احتمالات الحروب المذهبية اي ورقة ضغط وابتزاز في يد الحزب. والحزب ورقة ايرانية يريد أن يحول طرابلس ورقة في جيبه المثقوب. وعندما اجتمعت 14 آذار في الفيحاء تحت شعار الدفاع عن المجتمع المدني، بدا اجتماعها بالنسبة إلى 8 آذار وكأنه خروج على قانون “التعايش” وبدا شعار “المجتمع المدني” وكأنه طريق إلى الخروج على التقاليد والأفكار. فكيف يستقيم الكلام على مجتمع مدني في طرابلس وهناك بيئة كانتونية يسيطر عليها حزب غير مدني! وفي بعض معاييرهم، ان بيئة الحزب الخارجة على الدولة والغارقة في فساد “المختارين” من الحزب هي النموذج البديهي لبناء الأوطان في حين بدت طرابلس كحاضنة للتنوع والتعايش والانصهار نموذجاَ مفروضاًَ على الواقع، ويمكن ان نتكلم على عرسال هنا: الحزب الايراني يرسل الوف المقاتلين بطريقة “طبيعية” ليدافعوا عن النظام عبر الحدود. ليصيروا “جهاديين” يحققون مصلحة لبنان، والسيدة زينب ويحاربون اسرائيل والتكفيريين والارهابيين (اي الشعب السوري) ليصوروا عرسال وكأنها خزان للمتطرفين والقندهاريين واهل النصرة (صنعهم النظام السوري). اي مقاتلو الحزب يوضعون في اطار “الواقع” المقدس والشهادة بينما يوضع اهل عرسال المسالمون في اطار “الأمر الواقع” المكتظ بالارهاب…

فالأمر الواقع و”الفوق” الواقع و”التحت” الواقع… واكبنا على امتداد أربعين عاماً بكل الصور والمجازر والعمالة والاجرام والخيانة التي تبنتها الميليشيات وتحت شعارات “جذابة” وآخرها وأسوأها وأخطرها حزب الله! وعلى امتداد 40 عاماً كان “المدنيون” والمواطنيون فرائس قوى الأمر الواقع، وبات لبنان سجوناً منفصلة يديرها جلادو هذه الظواهر، حتى بات كل شيء بديهي وطبيعي سوريالياً (اي فوق الواقع) أو فرويدياً (تحت الواقع) أو جنونياً (لوناتيكياً، أو خيالياً، أو غير سوّي!).

حزب الله اليوم، اردأ “امر واقع” عرفه لبنان يتهم خصومه من 14 آذار بأنهم يفرضون عليه حكومة أمر واقع. هكذا بكل بساطة. وبلا خجل. وبلا استحياء… فكأنه في العمق يقول ما نصنعه هو “الواقع” وهو “الحقيقة” وهو “التاريخ” وهو البديهي وما يمارسه أهل المجتمع المدني والديموقراطيون والسياديون والمتنوعون كلها… أمور غير واقعية! اي كلها خروج على القواعد والتقاليد والبلد… خصوصاً عندما يكون لرئيس الجمهورية والرئيس المكلف ان يمارسا حقهما في تأليف الحكومة. فهذا خروج على الدستور وعلى الدولة وعلى الجمهورية!
وكأنه يقول: نعم! هؤلاء هم المزيفون” ونحن الأصليون: انه “حُكم قرقوش”!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل