يظن المرء، وهو مخطئ في ظنه، ان الدم الذي يسيل والخراب الذي يعم هو نتيجة لصراع بين ديكتاتورية آفلة وشعوب ناهضة مثلما هي الحال في سوريا اليوم، أي أسود وابيض ولا رمادي بينهما. لكن واقع الحال، ويا للاسف، على غير هذا النحو. فهو متعدّد الألوان ويتفوق على قوس قزح من الوان تثير الكآبة بما يتفوق على اهوال جحيم دانتي. لكن ما قاله الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية في مؤتمر “المسيحيون في لبنان والشرق الاوسط” في معراب والذي شارك فيه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الاوروبي المار بروك يضيء شمعة. لم يتعب جعجع منذ شرارة الربيع اللبناني في آذار 2005 من رؤية الضوء في نهاية النفق. وهو اليوم أقل تعباً في رؤية هذا الضوء في عتمة الربيع العربي. كان لكلامه وقع في آذان المسؤول الاوروبي ورفاقه من مؤسسة كونراد اديناور عندما أسقط نظرية “الجالية” التي تلصق بالاقليات في المنطقة وتحديداً المسيحيين وأسقط معها فكرة “تحالف الاقليات” التي كشف انها رداء لالحاق المسيحيين وسواهم بطغاة المنطقة عموماً وطاغية سوريا خصوصاً. كم تبدو معراب اليوم أشبه بمحراب لتلاوة فعل ايمان بمستقبل لبنان والمنطقة وسط مرارات اليأس من امكان تصويب المسار. وكم كان أيضاً مهما وقع ما قاله الدكتور مصطفى علوش باسم “تيار المستقبل” في المؤتمر عندما أثبت ان السنّة في لبنان بأكثريتهم الساحقة أهل اعتدال كإرث من عملاقهم رفيق الحريري والذي لن يندثر.
حبذا لو يسمع “حزب الله” ما يعنيه في هذا الكلام فيصحو من سباته. لا يعلم عنصر “حزب الله” الذي يذهب لمناصرة طاغية سوريا ليلقى حتفه ان مالية الحزب هذا الشهر واجهت عجزاً وهي حتى كتابة هذه السطور لم تلب متطلبات دفع المستحقات لكثيرين ممن هم على جداول القبض بعدما عجزت الشهر الماضي عن سداد المستحقات لغاية اليوم الثامن عشر. كما لا يعلم ان ادارة الرئيس الايراني حسن روحاني خفّضت ميزانية الحرس الثوري بنسبة 30 في المئة وهو أشعل صراعاً ولو صامتاً يفوق الصراع على الملف النووي. ان هذا العنصر لا يعلم أيضاً ان نهر الغدير الذي يمرّ وسط الضاحية الجنوبية لبيروت، أقوى بنفاياته من تحصينات “التكفيريين” الذين يذهب الى قتالهم بسوريا. ان مقاتل “حزب الله” لن يعلم ان الخط الازرق الذي يرسم الحدود بين لبنان واسرائيل صار خطاً لتجارة المخدرات وهو بعض ما قاله القائد السابق لـ”اليونيفيل” آلان بلليغريني في كتابه “صيف من نار في لبنان” من ان بلدة الغجر “مكان نشط جدا للتهريب يأتي اليه التجار (…) ليتمونوا بالمخدرات”.
لن يفيد ان يشن “حزب الله” حملة شعواء على 14 آذار غداة الكشف عن رسالتين وجههما الرئيس فؤاد السنيورة الى الرئيس روحاني. فهو لا يتصرف كجالية ايرانية فحسب بل كجالية للحرس الثوري لا أكثر ولا أقل!