“الأنباء”: “المستقبل” و”الاشتراكي”…ماذا يريد كل منهما من الآخر؟

كتب د.ناصر زيدان في صحيفة “الأنباء” الكويتية:

أسس الرئيس الشهيد رفيق الحريري تيار المستقبل في تسعينيات القرن الماضي وفقا لمقاربة ليبرالية تعتمد على تشجيع القطاع الخاص في بناء اقتصاد عمودي، بهدف تحويل لبنان الى «جنة استثمارية» وصلة الوصل بين مختلف التوجهات الاقليمية والدولية في الاقتصاد وفي السياسة.

اما الحزب التقدمي الاشتراكي فقد اسسه الشهيد كمال جنبلاط عام 1949 مع نخبة من المثقفين، وحملت مبادئه وجهة نظر شاملة في الاقتصاد الموجه الذي يعتمد على ترسيخ وتأهيل القطاع العام، وفقا لمقاربة أفقية تعطي أولوية لمحدودي الدخل، وتبرز دور لبنان في مقدمة المدافعين عن الفكرة العربية، وعن القضية الفلسطينية.

رغم بعض الفروقات العقائدية بين الجانبين، ارسى الشهيد الحريري والنائب وليد جنبلاط علاقة متطورة بينهما، في مرحلة حساسة وصعبة اعقبت نهاية الحرب الأهلية الدامية التي عصفت بلبنان على مدى 15 عاما، وعانى الرجلان ويلات الوصاية السورية، وتحملا ما يفوق التصور لتمرير المراحل، رغم بعض التباينات التي حدثت بينهما حول مسألة الخصخصة لبعض مرافق القطاع العام، وكان الحزب التقدمي الاشتراكي رأس حربة في الانتفاضة التي اعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005، واستمرت العلاقة اكثر من عادية بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والرئيس الجديد لتيار المستقبل سعد الحريري، ووقف الاول الى جانب الثاني في السراء والضراء في تلك المرحلة وما بعدها، لاسيما في تشكيل حكومات رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة، وفي حكومة الرئيس سعد الحريري التي اعقبت انتخابات العام 2009، التي خاضاها معا.

جاءت مرحلة ما بعد تورط “حزب الله” بأحداث ايار 2008 الدامية، لتهدد الكيان اللبناني برمته، وعاشت البلاد انقساما عموديا مخيفا، كاد ان يتحول الى حرب اهلية شاملة.

اعاد جنبلاط قراءته لتداعيات الأحداث، وحاول التأثير على طرفي الأزمة لتعديل بعض المواقف المتشددة لتجنب الحرب وتسهيل مهمة رئيس الجمهورية الوسطي ميشال سليمان، لكنه فشل في تغيير سياق الاصطفافات المخيف، وربما شعر في تلك اللحظة كم كانت الحاجة ملحة الى شخصية الرئيس رفيق الحريري البارعة في تدوير الزوايا مع صديقه الرئيس نبيه بري.

اما الرئيس سعد الحريري فبدأ يشعر بخيبة أمل من حليفه، وصديق العائلة وليد جنبلاط عندما أعلن الأخير خروجه من تحالف 14 آذار، وتفاقم التوتر في العلاقة بين الرجلين عند دخول جنبلاط في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مطلع العام 2011، ووصل الأمر الى حد اطلاق توصيفات قاسية من قيادات تيار المستقبل ضد جنبلاط في انتفاضة حرق الدواليب.

الطرفان يتطلعان الى صورة تكاملية بينهما، وهذا غير صحيح فهما متفقان على ملفات عديدة ـ منها الاعتدال ودعم الثورة السورية، ودعم مؤسسات الدولة، خصوصا الجيش ـ الا انهما يختلفان في مقاربة بعض الملفات، لاسيما موضوع الاستقرار الداخلي، حيث يرى المستقبل ان الاستقرار يتحقق عندما يسلم “حزب الله” سلاحه للدولة، ويتراجع عن تدخله في سورية، بينما يرى الحزب الاشتراكي ان الحوار هو الاساس لتجنب الفتنة، نظرا للتداخل الاقليمي والدولي في أحداث لبنان وسورية.

تفاقم التباين بين الفريقين في الآونة الأخيرة، على خلفية بعض الملاحظات التي تحدث عنها جنبلاط حول التدخل في سورية، وحول الفراغ الناتج عن الغياب، وسمع ردودا قاسية، طالت الأمور الشخصية وموضوع الأحجام السياسية.

ليس في نية النائب جنبلاط افتعال مشكلة مع الرئيس سعد الحريري، ولا يوجد اي دلائل تشير الى نية عند الحريري بوضع جنبلاط على لائحة الاخصام السياسيين، لكن الطرفين غير راضيين عن بعضهما البعض.

تطلب كتلة المستقبل من التقدمي الوقوف الى جانبها في تشكيل حكومة اكثرية، ردا على حكومة ميقاتي التي تشكلت من دون المستقبل عام 2011، او على الاقل اعطاء الثقة لحكومة محايدين من دون دخول الأحزاب اليها، تجنبا لتمثيل حزب الله، لكن التقدمي يرى ان تشكيل مثل هذه الحكومة، ومن دون موافقة حزب الله، سيؤدي الى وقوع الفوضى، بل الحرب.

والوضع اليوم يختلف عن العام 2011، اي قبل اندلاع الثورة في سورية، علما ان المستقبل هو من رفض الدخول في حكومة ميقاتي في ذلك العام، ردا على الخطأ الفادح الذي ارتكبته قوى 8 آذار في حينها، عندما انسحبت من حكومة الرئيس سعد الحريري.

مأخذ المستقبل على الاشتراكي اليوم انه يساير “حزب الله”، وان بعض وزرائه لم يراعوا ابدا الخصوصية البيروتية، ومأخذ الاشتراكي على المستقبل انه يعيش في اريحية مطلبية، تراعي آراء المتطرفين في منظومة 14 آذار.

المستقبل والاشتراكي محكومان بالقناعات المشتركة ببناء الدولة، وبتغليب سمة الاعتدال والمدنية، ولم يبد من تصريحات الفريقين انهما على قاب قوسين من الخلاف، خصوصا ان قرار الاختلاف ليس بيد المتحمسين من الفريقين، بل ان التوافق على ما يبدو محكوم باعتبارات استراتيجية اكبر من الخلافات التكتيكية الصغيرة.

المصدر:
الأنباء الكويتية

خبر عاجل