إذا كان انطلاق الثورات العربية هو المرحلة الجديدة في تاريخ الشعوب العربية والمشرقية، إلّا أنّ انطلاق الثورة السورية لا شكّ في أنّه شكّل تاريخاً أكيداً لإعادة إنتاج الحرب الباردة مجدّداً بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا كما كانت سابقاً بين الأولى والاتّحاد السوفياتي. وها إنّ رقعة المواجهة تتّسع بينهما، فهذه الحرب الباردة المتجدّدة ظهرت مع انطلاق الثورة السورية لنراها في أماكن أخرى مثل أوكرانيا، حيث يريد الفريق الحاكم تجيير الحكم فيها إلى روسيا، فيما المعارضة تريد أن تأخذ البلاد في اتّجاه الإتحاد الأوروبي حليف الولايات المتحدة الأميركية.
حتى إنّ النزاع امتدّ إلى قبرص حيث عرضت السلطات الروسية أخيراً على السلطات القبرصية استئجار قاعدة أندرياس باباندريو الجوّية في مقابل رفض الولايات المتّحدة هذا الأمر، بينما المصالح القبرصية عالقة في حلفها مع الغرب (الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية)، فيما تشكّل روسيا الداعم الأكبر للإقتصاد القبرصي، خصوصاً بعد شراء شركات روسيّة عدداً من المصارف القبرصية المتعثّرة، على رغم أنّها نقلت أموالاً إليها بطريقة أثارت الشكوك لدى كثير من الدول حول نظافة مصدرها، وقد سارت روسيا في هذا الاتّجاه لاعتبار قبرص جنّة مصرفية داخل الاتّحاد القبرصي.
وما النزاع الدائر في أوروبا أيضاً لجهة خطر نشر بطاريات الصواريخ الروسية في كالينينغراد المحاذية لدول الإتحاد الأوروبي إلّا ضمن الحرب الباردة المشار إليها.
كلّ هذا يضاف إليه النزاع الدائم في مجلس الأمن حول تعارض الموقف الروسي دائماً مع معظم أعضاء المجلس لجهة اتّهام الروس للمعارضة السوريّة بارتكاب المجازر، في مقابل اتّهام الفريق الداعم للمعارضة النظامَ السوري بارتكاب هذه المجازر وتحميله مسؤولية استخدام السلاح الكيماوي وكلّ وسائل القتل الجماعي وارتكاب جرائم الإبادة والمجازر.
وها إنّ النزاع يأخذ منحىً تصعيديّاً في سوريا، حيث يزداد الدعم الروسي العسكري والسياسي للنظام في مقابل ضعف الدعم الغربي والعربي للمعارضة السورية العالقة بين فَكَّي مواجهة النظام وما ابتدعه عندما أطلق من سجونه الخلايا التكفيرية التي راحت تستدعي أنصارها من كلّ بقاع الأرض، وبين دعم الدول الغربية والعربية جماعات مماثلة ظناً منها أنها تستطيع إطاحة نظام الأسد، من دون الانتباه إلى أنّها تربّي في محيطها تنّيناً سينقضّ عليها لاحقاً.
وعليه يستمرّ الدعم العسكري الروسي للنظام في مقابل تقهقر الثوار في كثير من الجبهات السورية علماً انهم على الصمود والمناورة وإطالة أمد المعركة على رغم الدمار اللاحق بالمدن التي يسيطرون عليها وعدم إستقرار الهيكلية العسكرية والسياسية للمعارضة عموماً في مقابل عدم حسم مسألة ترشح الأسد للإنتخابات المقبلة سنة 2014. كل هذه الأوضاع قد تجعل من مؤتمر “جنيف 2” غير مجدٍ بما سينتهي إليه بعد انعقاده في 22 من كانون الثاني 2014 على رغم أنّ انعقاده هو أفضل من عدمه، لأنه سيكشف معظم أوراق الأفرقاء وسيفتح آفاقاً للمستقبل ولو كانت ضيقة.
أما ما يحدث في إطار المفاوضات النووية بين إيران والدول الست والمد والجزر الحاصل بين توقف هذه المفاوضات تارةً من جراء إنزال العقوبات الأميركية بحق لائحة جديدة تضم 19 شخصاً وشركات لاعتبارهم يساهمون بطريقة أو بأخرى في أعمال تجارية غير مشروعة مع إيران، والتصريح باستئناف المفاوضات طوراً وفقاً لما أكده وزير الخارجية الإيرانيـة محمد جواد ظريف على رغم مواقف واشنطن في هذا الصدد.
وإذا ما عدنا إلى تاريخ الحرب الباردة الأولى التي استمرت ما يفوق الأربعين عاماً وانتهت بإفلاس المنظومة الشرقية في مقابل تقدم المنظومة الغربية، فإنّ السؤال المطروح الآن هو: إلى متى ستستمر المواجهة في الحرب الباردة المتجددة؟ ومَن سيكون المنتصر؟ ومَن سيتحمل نتائج هذه المواجهة؟
هكذا يعلق لبنان في هذه المواجهة الدولية التي “تتعمشق” على حبالها قوى إقليمية تتنازع بمقدار ما تتيح لها قدراتها وما يؤمّنه لها موقعها ودورها في إطار هذا النزاع، بحيث تتعثر فيه يوماً بعد يوم إمكانية إجتراح حلول قريبة في ظل تهديد قوى الأمر الواقع للقوى الداعمة لمفهوم الدولة من مغبة الذهاب في اتجاه خيارات دستورية أو سياسية لا تأتلف مع مصالحها، ما يوحي بأنّ نفق هذه التجاذبات لا يزال طويلاً بحيث يبقى لبنان يواجه مخاضاً تأزيمياً لا ندري إلى متى يمكنه تجنّب عواقبه.