لم يخطئ الرئيس نبيه بري عندما قال، أو نقل عنه اذا ما توخينا الدقة، ان ما يشهده لبنان بشأن استحقاق الانتخابات الرئاسية، يشبه ما شهده عشية هذا الاستحقاق في العام 2007. لكن خطأه أنه لم يقل، ربما بسبب موقعه في 8 آذار، الا نصف الحقيقة فقط. فما حدث غداة هذا الاستحقاق يومها، وتحديدا منذ اخلاء الرئيس السابق اميل لحود قصر بعبدا بعد أن بقي فيه حتى آخر دقيقة من ولايته الممددة، هو الأقرب الى ما يشهده لبنان الآن أكثر مما كانت عليه حاله في تلك الفترة من العام 2007.
وللتاريخ، والرئيس بري شغوف به كما يقال، فتلك المرحلة هي ما ينبغي عدم تجاهلها أو محاولة القفز فوقها، لسبب أساسي هو أنها أسست لكثير مما شهده لبنان منذ ذلك الوقت، تماما كما أنها في صلب ما يحدث فيه حاليا سواء في ذلك ما يتعلق منها بانتخابات رئاسة الجمهورية أو بعدم تشكيل الحكومة في الفترة الراهنة أو بالعجز عن اجراء انتخابات نيابية في موعدها الدستوري والهروب من هذا العجز الى التمديد للمجلس الحالي.
فماذا حدث في تلك الفترة بين أيلول من العام 2007 وأيار من العام 2008، والذي يشبه في مجمله وحتى في تفاصيله مأساة لبنان الراهنة من جميع وجوهها؟.
كان المجلس النيابي مقفلا يومها، بقرار من الرئيس بري نفسه، لكنه بعد مرور استحقاق الرئاسة من دون نتيجة وضع شمعاً أحمر على الأقفال ليترك البلد تالياً من دون رئيس(بل ومن دون حكومة بحسب مقولته عن “الحكومة البتراء” التي كانت برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة) من دون أن يرف له، أو لأي من أطراف قوى 8 آذار التي تصم الآذان حاليا في خشيتها من الفراغ، جفن أو حتى وخزة ضمير. وللذكرى أيضا، فقد اعتمدت هذه القوى حينها ما وصفته ب”ربط نزاع” مع الحكومة عبر المبادرة عقب كل قرار تتخذه الى الاعلان أنه “قرار غير شرعي أو غير دستوري”، من دون اهتمام لا بصورة لبنان في الخارج ولا الأهم بحاجات اللبنانيين وظروف حياتهم ومعيشتهم في الداخل.
وقد بقي المجلس مقفلا(أليس هو كذلك الآن أيضا؟) شهورا عديدة لم تنته الا بغزوة 7 أيار المشهورة وما أدت اليه من الانتقال بالسياسة الى العنف، ثم توجه الجميع الى الدوحة والعودة منها بالتوافق على انتخاب الرئيس ميشال سليمان في أول جلسة يعقدها المجلس منذ أكثر من سنتين لهذه الغاية.
في الفترة ذاتها، كانت سرايا الحكومة مطوقة بما سمي “اعتصام ساحة رياض الصلح” الذي استمر لشهور طويلة، والذي رافقته دعوات من بعض قادة 8 آذار الى اقتحامها واخراج رئيس الحكومة منها، وصيحات من آخرين بألا تترك لشاغلها حتى فرصة توضيب حقائبه قبل الخروج صاغرا، فضلا عما ألحقه ذلك من أضرار بالمؤسسات الاقتصادية والتجارية والسياحية أدت الى اقفال العديد منها وتشريد العاملين وعائلاتهم اما الى سجل البطالة المتضخم أصلا أو الى الهجرة من البلد كله.
والأنكى أن قوى 8 آذار لم تكن يومها تعترف بأي قرار تتخذه الحكومة في تلك الأثناء، باعتبارها “بتراء” في أحد توصيفات بري الشاعرية، لكنها أرغت وأزبدت بعد قرار الحكومة الخاص بأمن المطار وشبكة الاتصالات العائدة لـ”حزب الله”، ما استغله الحزب للقيام بغزوة 7 أيار “المجيدة” كما وصفها…وما ألحقته منذ ذلك اليوم من خلل وانكسار في النسيج الوطني للمجتمع اللبناني.
أليس الوضع اللبناني الآن شبيها بما كان يومها، حيث لم يمكن تشكيل حكومة جديدة بسبب شروط قوى 8 آذار نفسها(مقولة “الأحجام والأوزان” وزميلتها مقولة “الجيش والشعب والمقاومة”) من جهة أولى، وحيث حكومة القوى اياها التي عمدت الى تشكيلها بعد انتهاك اتفاق الدوحة لم تجد بدا من الاستقالة بدورها بعد أن فشلت على كل صعيد بما في ذلك التفاهم بين أطرافها من جهة ثانية…وحيث التشنج الطائفي والمذهبي في أعلى مستوياته من جهة ثالثة؟.
في الفترة ذاتها أيضا، كانت السيارات المفخخة تواصل ملاحقتها لقادة ومثقفي ورجال اعلام قوى 14 آذار من دون هوادة وسط صمت مريع ممن يفترض أنهم شركاؤهم في الوطن وفي البحث عن تسوية…خاصة في ما يتصل بالاستحقاقات، وكانت الاتهامات بالخيانة والتآمر والعمالة لاسرائيل(أضيفت اليها الآن تهمة العمالة للسعودية ولما يوصف بالتكفيريين) تملأ الأجواء ولا تستثني أحدا ممن يقفون على الضفة المقابلة لما يسمى “المقاومة والممانعة”، ليس في لبنان فقط بل وفي سوريا وايران وكوريا الشمالية وفنزويلا أيضا.
وكانت حملة قوى 8 آذار على الحكومة تقترن دائما بقصائد امتداح لرئيس الجمهورية الذي انتهت ولايته للتو(تجمع بينهما الآن، فتشتم رئيس حكومة تصريف الأعمال ورئيس الجمهورية الذي توشك ولايته على الانتهاء معا)، بينما لا تني تطالب بصيغة حكومة وحدة وطنية تضمهما معها.
…وما أشبه الليلة بالبارحة، كما يقول الشاعر.
لكن هل يتكرم الرئيس بري، أو أي أحد من رفاقه في قوى 8 آذار، بمصارحة اللبنانيين عن الجهة، أو الجهات، التي جعلت من تلك المرحلة شبيهة بالمرحلة الحالية لكي يبنى على الشيء مقتضاه؟.
لا حاجة لانتظار الجواب، لسبب بسيط جدا هو أنه لن يأتي، لا اليوم ولا في أي يوم قريب.