في كتابه “البجعة السوداء the Black Swan”، يشرح اللبناني نسيم طالب كيف أن حدثاً كبيراً مفاجئاً، سياسياً، أمنياً، مالياً، علمياً أو غيره، يحصل في التاريخ وتكون له انعكاسات ونتائج على المسرح الدولي، يصعب التكهن بحجمها وتأثيرها الذي قد يتخطى التوقعات والتقديرات التقليدية. ويعطي أمثلة على تلك الأحداث مثل تقنية “الإنترنت” وسقوط الاتحاد السوفياتي وتفجيرات ١١ أيلول في نيويورك، والتغيير الذي أحدثته في حياة شعوب ودول كثيرة. هكذا، يذهب كمّ كبير من التحاليل والاستنتاجات التي أعقبت اتفاق جنيف بين ايران ومجموعة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا حول برنامج ايران النووي، الى قراءة الانعكاسات الاستراتيجية لهذا الاتفاق – الحدث على الجغرافيا السياسية ومنظومة الأمن والاستقرار في أقاليم عد: الشرق الأوسط، والخليج العربي، وشمال افريقيا وجنوب غرب آسيا.
على الرغم من أن بنود هذا الاتفاق المرحلي محصورة في الشأن النووي الإيراني فقط (نسب تخصيب اليورانيوم، تفتيش ومراقبة المفاعلات ومواقع التخصيب، إلغاء العقوبات على مراحل، الخ) وصولاً الى الاتفاق النهائي “إذا صفت النوايا” على ما جاء في الموقف السعودي، إلا أن إقراره والبدء بتنفيذه وفق الآليات الموضوعة اضافة الى المناخ الدولي المواكب والداعم له، لا بدّ أن يخلق مناخاً مسهّلاً لمعالجة نزاعات إقليمية مزمنة انطلاقاً من أن الانفراج في العلاقات الدولية في منطقة ما، قد يُنتِج مناخات إيجابية في البيئة المحيطة وفق المثل اللبناني البسيط: المال يجرّ المال والقمل يجرّ السيبان. الفوضى تأتي بمزيد من الفوضى والاستقرار يُسهّل فرص إرساء السلام. بمعنى آخر، مفاعيل الاتفاق ستشمل بشكل أو آخر أزمات اخرى لإيران دور محوري فيها. كما أنها ستشمل رؤيا الغرب وأميركا لحلول ومعالجات مرتقبة لهذه الأزمات وعلى رأس قائمتها “جنيف ـ٢” السوري، والمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، الوضع في لبنان واليمن، الخ…. إذ كيف يمكن لإيران أن تكون متفاهمة مع الغرب وفي الوقت نفسه على خلاف مع محيطها العربي، هذا المحيط المنتمي أصلاً الى المعسكر الغربي في المفهوم الاستراتيجي. لا تملك إيران رفاهية الاستمرار في مشاريعها الإقليمية فيما ترضخ لشروط المجتمع الدولي بما يعني مشروعها الاستراتيجي الوطني الأساسي اي امتلاك السلاح النووي.
لسنا في معرض الرهان على مناخات إيجابية قد يحملها الاتفاق في حال تطبيقه، أو على مفاعيل سلبية إذا ما أخلّت ايران بالتزاماتها. واقع الأمر أنه لا يمكن بعد اليوم البحث في حلول لأزمات دول الإقليم الشرق أوسطي بمعزل عن تطورات المنطقة بأكملها. كما لا يمكن النظر اليوم الى أوضاع دول عدة ومنها لبنان وسوريا والعراق وأفغانستان إلا من خلال انعكاسات هذا الاتفاق، سواء أحببنا هذا الواقع أم كرهنا.
يخشى البعض أن يطلق مناخ الاسترخاء Détente بين أميركا وإيران يد هذه الأخيرة في تلك الدول وخصوصًا في سوريا ولبنان. فيما يعتبر البعض الآخر أن مستلزمات الاتفاق وخيار الانفتاح على أميركا والغرب سيحتّم على إيران وقف مشاريع الهيمنة، والصحو من أحلام اليقظة الشيعية، والسعي الى مصالحة جيرانها السنّة وطمأنتهم. فخلال العقود الثلاثة الاخيرة لم تخفِ إيران رغبتها في تصدير أيديولوجية ثورتها الإسلامية، وعبّرت عن أهدافها الإقليمية التوسعية برهانها على رقعة الانتشار الديموغرافي الشيعي في المنطقة، فباتت لها قواعد عسكرية أمامية ولو بالواسطة في لبنان وسوريا قبل وبعد انخراطها العسكري والأمني الى جانب نظام الأسد عبر خبرائها وعبر “حزب الله”. وليس سراً القول إن التدخل العسكري الأميركي في العراق والتخبّط في مستنقعاته المناطقية والطائفية والعشائرية لعشرة أعوام ومن ثمّ الانسحاب في الحد الأدنى من حفظ ماء الوجه، أفرز وضعا مثاليا لجرّ العراق الى الفلك الإيراني عبر سيطرة حلفاء ايران على السلطة ولو بالتهديد والوعيد كما حصل مع رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي في رفضه ورفض إيران لنتائج المسار الديمقراطي الذي كان وضع أياد علاوي على رأس السلطة. هذا اضافة الى دعم الحوثيين في اليمن بالمال والسلاح والتعاطف والتواصل مع شيعة البحرين.
صحيح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ومنذ أيامه الأولى في البيت الأبيض تبنى عقيدة الانخراط engagement مع الخصوم والدول المحسوبة سابقا على “محور الشر”، وقرر اعتماد قوة الديبلوماسية بدلاً من ديبلوماسية القوة العسكرية، وصولا الى القيادة من وراء الستارة، كما حصل في ليبيا، والتزام تطبيق برنامجه الانتخابي عبر انسحاب الجيش الأميركي الفعلي من العراق، ولكن المفارقة أن طبيعة الأحداث العسكرية والسياسية أنهكت كل فرقاء الصراع المحلي والإقليمي والدولي، فباتت الحلول الديبلوماسية هي المخرج للجميع. قوة النظام السوري أصبحت في ضعفه واستسلامه عبر تسليم سلاحه الكيميائي، والفوبيا والخوف من “داعش” و”النصرة” و”القاعدة” حجبا هول الدمار والقتل والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام السوري في حق شعبه كل يوم. ضعف الثورة السورية النبيلة الأهداف، بات في تعاظم قوة الجهاديين الإسلاميين وممارساتهم غير المقبولة وفق المعايير الانسانية والدولية، وفي فشل القوى المعارضة في أن تكون طرفاً فعليًا مؤثرًا على الأرض وعلى طاولة المفاوضات. العقوبات الدولية المفروضة على إيران فاقمت عزلة الأخيرة وأنهكت اقتصادها فتدنّت قيمة دينارها وارتفعت نسبة البطالة في شكل غير مسبوق. فالشعب الجائع لا يرحم، حتى بات الانفجار الاجتماعي الوشيك يهدد النظام برمته. حتى أميركا نفسها تعاني من وهن fatigue نتيجة حروبها الخارجية خلال العقد المنصرم إضافة الى أزماتها الداخلية المالية والاقتصادية والاجتماعية.
ليس من الضروري أن تكون إيران والولايات المتحدة في جهوزية آنية تامة لمعالجة الملفات التي لم يلحظها الاتفاق النووي أو أن تكونا أصلا في هذا الوارد. لكن المصالح والأدوار والتحالفات في السياسة الدولية، قد تفرض ذلك. لن تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في لعب هذا الدور من دون انخراط حلفائها في مسار المفاوضات وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج وإسرائيل، وهي دول معنية وقلقة من قدرة إيران النووية والدور الذي تلعبه في الشرق الأوسط. من هنا الكلام عن ضرورة انخراط المملكة السعودية في هذا المسار والرهان على مفاوضات سعودية- إيرانية قد تحصل بدفع أميركي على رغم الثقة المفقودة والشروط المتبادلة وحالة الخلاف العميق لا سيما حول تدخل إيران السياسي والعسكري في الملفين السوري واللبناني.
وفي هذا المجال يُجمع أكاديميون وخبراء في العلاقات الدولية على أن ركيزتي النظام الأمني الإقليمي الجديد، ستكونان المملكة السعودية وإيران بمظلة أميركية-روسية، خلاف ما كان يُحكى عن طوق أمني ثلاثي حول المنطقة عماده ايران وتركيا وإسرائيل. وهذا لا يعني تحويل الإقليم الى منطقة نفوذ إيرانية-سعودية مشتركة بقدر ما يعني تخفيف حدّة التوتر المذهبي السني-الشيعي وإرساء الاستقرار في اكثر من بلد، بدءًا من لبنان وصولاً الى أفغانستان. هذا التفاهم حصل في السابق أبان فترتي رئاسة رفسنجاني وخاتمي وليس مستبعداً حصوله مجددا اليوم وعلى قواعد مختلفة.
مما لا شك فيه أن تدخل “حزب الله” ميدانيا في سوريا كفصيل تابع للحرس الثوري الإيراني، زاد من تعقيدات الوضع اللبناني المتأزم أصلاً. وبعكس ما يظنه البعض، قد يشكل التقارب الإيراني الأميركي فرصة لإيران كما لفرقاء آخرين لإجراء مقاربة مختلفة للوضع السوري. هذا لا يعني أن إيران ستتنازل بسهولة عما تعتبره مكتسبات في سوريا ومنها بقاء نظام الأسد على رغم عزلته الدولية والعربية وتقلّص نفوذه الجغرافي ورفض غالبية السكان له. بيد أنه يعني أن أبواب الحوار حول مستقبل سوريا وحول مستقبل نظام الأسد بالذات لم تعد مقفلة. وفي غياب أية إمكانية للحسم، فلا قيمة استراتيجية لانتصار أي من فرقاء الصراع في معركة هنا أو قتال هناك سوى تعزيز أوراق التفاوض الموعود. قد يُتاح لإيران أن تكون شريكا في الحلول ولكنها بالتأكيد لن تستطيع فرض سياستها ولو عن طريق القوة. إمكانية التنازل المتبادل أصبحت متاحة، كأن تتنازل أميركا عن شروطها المسبقة لأي حل سياسي ومنها شرط رحيل الأسد، مقابل أن تقبل إيران تخفيف نسبة دعمها للنظام وانسحاب “حزب الله” والفصائل العراقية الموالية من القتال الدائر في سوريا.
لا يمكن لدولة مهما عظُم شأنها الإقليمي أن تهيمن على منطقة بكاملها. تماماً كما أنه لا يمكن لطائفة لبنانية مهما راكمت من قوة عسكرية وامتيازات سياسية أن تتحكم منفردة في إدارة الشأن اللبناني. حتى لو سلمنا جدلاً بنظرية أن لبنان سيدفع ثمن التسوية الغربية-الإيرانية بالسماح لـ “حزب الله”، وهو حزب إيران في لبنان، بفرض مشيئته السياسية على الآخرين، فإن التعددية اللبنانية بتركيبتها السياسية المتوازنة وإرادة العيش المشترك، هي الضمانة لمنع هيمنة أي فريق.
هنا، مسؤولية “حزب الله” كفريق لبناني مضاعفة، اولاً لأنه أقحم نفسه ولبنان في حرب النظام السوري على شعبه، وهي في الأساس ثورة شعب مسالم ضد نظام قمعي وأمني فاسد، ما خلق حقداً عميقا بين شيعة لبنان والشعب السوري. وثانياً لأنه حين تنضج تسويات النزاع الإقليمي، سينفّذ الحزب ما تتفق عليه إيران مع الآخرين ولن يجني هو سوى تعويضات مالية بخسة لعائلات القتلى الذين يسقطون يومياً في سوريا، مبرراً كل ذلك بمزيد من الكلام الفارغ حول الممانعة والمقاومة. فهل يعي “حزب الله” مخاطر سياساته العبثية على لبنان، فينسحب عسكرياً من سوريا وينخرط سلميا ومن دون استقواء في العمل السياسي الداخلي محترماً الأطر القانونية والدستورية، أم أنه يستمر في غيّه معتمداً سياسة عليّ وعلى أعدائي يا رب؟
في ظل هذا النزاع الإقليمي المُعقّد والطويل، وغداة الاتفاق الغربي-الإيراني، لا يستطيع لبنان سوى الحفاظ على مكوّنات دولته وهيكليتها السياسية والاقتصادية والأمنية وبالتالي تجنّب أي انعكاس سلبي لأي اتفاق أو تسويات آتية على المنطقة. الحل بدهي وهو بعودة كل الفرقاء الى ما يسمونه “مشروع الدولة” واحترام قواعد ومواعيد الاستحقاقات الدستورية (انتخابات رئاسية ونيابية وتأليف حكومة) والحفاظ على التوازنات الطائفية والتزام الحياد الخارجي. البديل هو مزيد من التعطيل السياسي والانهيار الاقتصادي والفوضى الأمنية المتنقلة. فريق ١٤ آذار مدرك ومنخرط ويقاوم من أجل هذا المشروع، فهل يرعوي “حزب الله” وحلفاؤه قبل فوات الأوان؟