تبعاً لما يقوله منسق الأمانة العامة لقوى «14 آذار» فارس سعيد، فإنّ ردّ الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله على مؤتمر «14 آذار» في طرابلس، لم يكن مفاجِئاً إلّا للذي يريد أن يتفاجأ.
المشهد الطرابلسي في حدّ ذاته كان عنواناً مناقضاً لمشروع “حزب الله” بالكامل وللنظام السوري، القائم على تخويف الناس وتشجيعهم على الانكفاء الى داخل الطوائف. عندها يسهل على تحالف الممانعة إستفراد الجميع مرة باسم حماية الأقليات، ومرات باسم التفوق الظاهر بالسلاح والمال والتنظيم، لفريقٍ صادرَ قرار طائفته فباتت كأنها حصنٌ لا يمكن اختراقه.
غضب السيد نصرالله من مؤتمر طرابلس ليس بمقدار مضمون الإعلان، ولا هو حتى بمقدار هذا الحشد من الشخصيات التي لا تملك من القدرة العملانية، على الارض مقدار ما تملكه مجموعة صغيرة من مجموعات الفوضى التي سلّحها “حزب الله” تحت عنوان “سرايا المقاومة”، فكيف بآلة هذا الحزب العسكرية والأمنية التي تدفع إيران مليارات الدولارات لتجهيزها. فلماذا الغضب ولماذا التهديد ولماذا إعلان الحرب؟
الواضح أنّ “حزب الله” لم يكن يتوقع أن تكون قوى “14 آذار” التي ذكرها في خطابه مرات ومرات، لا تزال قادرة على إعطاء المشهد النقيض لمشروعه. فطرابلس وبناءً على هذا المشروع هي قندهار، وقياديوها هم المساعدون لأيمن الظواهري، وهؤلاء لا يُفترض بهم أن يضيئوا شجرة الميلاد في وسط المدينة مع المطارنة، بل أن يحرقوا الكنائس، لكي يحميهم رمز تحالف الأقليات وممثل النظام السوري و”حزب الله” في المدينة رفعت عيد. و”14 آذار” في نظره لا يُفترض بها أن تجمع في طرابلس دروزاً وشيعة ومسيحيين وسنّة، فهذه الصورة مناقضة تماماً لمشهد الخوف الذي يزرعه الحزب والنظام السوري في لبنان وسوريا، وهنا نقطة البداية.
على الارجح، إنّ السيد نصرالله التقط الإشارة الصحيحة من خلاصة هذا المؤتمر، ربما أكثر بكثير من بعض قيادات “14 آذار” التي وجدت في “إعلان طرابلس”، مراوحة روتينية ممجوجة لا تؤخر ولا تقدّم في مسار النزاع مع “حزب الله”. لم يكن نصرالله مضطراً لاقتباس عبارة من خطاب قيل في المؤتمر، ليعتبره “إعلان حرب”. كان همّه المشهد العابر لاستراتيجيةٍ طالما عمل وحلفاؤه على بنائها مدماكاً فوق مدماك، هذه الاستراتيجية التي رصدت لها إمكانات مالية وإعلامية ولوجستية هائلة، هي أكبر بكثير من الإمكانات التي وضعت لـ”تشويه” صورة الحزب، هذه الصورة التي أغرقتها إيران في مستنقع سوريا.
يأتي خطاب إعلان الحرب هذا ليشير إلى مأزق يطل وسط بشائر الانتصار الخادعة. “حزب الله” غارق في رمال سوريا، والمكاسب التكتيكية آنية، لأنّ عناصر تحقيق انتصار بالقضاء على هذه الثورة غير متوافرة. أما في البعد الداخلي فيكفي انتظار المحكمة الدولية، للقول إنّ العدالة آتية حتماً ولو طال الانتظار. يكفي أيضاً هذا التناقض الفاضح في دعوته للمهزومين إلى حدّ التسوّل، أن يشاركوه في حكومة وحدة وطنية، فالمنتصر لا يقدّم هبات مجانية للمهزوم.
قد يسأل سائل في هذا التوقيت: هل ما قام به الرئيس فؤاد السنيورة، الذي هنأ الرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني، يأتي في سياق واقعي؟ ام انها ستكون مجرد خطوة ذكية محدودة الأفق، لا تستند الّا على وهم انّ هناك تيارين في ايران، واحد معتدل وآخر متشدّد؟
الجواب الإيراني على الرسالة الاولى وصل، وهو جواب بروتوكولي. أما الجواب على الرسالة الثانية التي تطالب إيران بأن تكون منسجمة لبنانياً مع توجهها المعلن دولياً، بالحوار مع المجموعة الدولية، على قاعدة التزام القرارات الدولية، لم يصل.
طلب السنيورة من إيران روحاني أن تساعد في تحقيق الالتزام بالقرار 1701، وبـ”إعلان بعبدا” الذي تم تدويله، وهو لا يزال ينتظر الجواب، والأرجح أنّ احداً لا يعتقد، على الأقل حتى الآن، أنّ خطاب السيد نصرالله الحربي، كان هو جواب إيران.