على منواله يجري الممانعون اليوم تحت راية “حزب الله”، فيستخدمون مصطلح “تكفيرية” كيفما اتفق، ويبدعون صيغاً مركّبة مضحكة مبكية، من قبيل “صهيو ـ تكفيري ـ ليبرالي”، وكل من خالفهم الرأي والموقف بعد أن كان يرمى بالتصهين، صار الى التكفير ينسب.
“حزب الله” لا يكفّر علناً أي مذهب عقديّ أو فقهيّ بعينه، وهذا يحسب له مقارنة بغلاة التكفيريين الذين يكفّرون الشيعة كشيعة، علماً أنّ الجماعات الجهادية تلعب هي الأخرى لعبة التذاكي فيفرّق كل منها بين ما يراه “التشيع الحسن” أو المقبول وبين ما يستحل دمه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الموقف من الفرق الصوفية.
في المقابل، “حزب الله” يتوسّع في استخدام مصطلح “تكفير” بشكل اعتباطي، ويزيد عليه أشياع الحزب من اليساريين والقومجيين و”السادو – مازو – ذميين”، فيرمون كل من يواجه مشروع الهيمنة الفئوية الذي يقوده الحزب، وكل من يرفض حرب تدخّله في سوريا الى جانب النظام، بـ”التكفيرية” و”الداعشية”.
وبالنتيجة يصير القذف بـ”الداعشية” و”التكفيرية” يشمل في مقال “حزب الله” وعملائه أناساً من السنّة، سلفيين كانوا أو تقليديين أو معتدلين من حيث الممارسة الدينية، وأناساً من الشيعة، فالشيعي الذي يخالف منظار “حزب الله” يتّهمه الحزب أيضاً بـ”الداعشية”، وأناساً من الموارنة وعموم المسيحيين، في فضح سافر للدعاية بأنهم يحاربون في سوريا حماية للمسيحيين أيضاً، ومن الدروز، وهي الطائفة التي ساعة يحرض الحزب على “اعادة تذكيرها” بجذورها الشيعية، وساعة يتشاوف عليها بالعدد. ثم تشمل التهمة “الليبراليين” و”اليساريين”، ويتطوّع الملحق العلماني للحزب برمي من لا يتفق معهم في الوجهة الثقافية، أو الذوق الغنائي.
بالنتيجة، تضاعفت طفرة اتهام الناس جميعاً بأنهم “تكفيريون” حتى باتت التكفيرية تعدّدية، عابرة للطوائف والحساسيات والأيديولوجيات، وذات طابع إسلامي ـ مسيحي، وكوزموبوليتي، وموزاييكي.
قال زعيمهم عشية معركة القصير إن ثمة جماعات تكفّر الناس لأبسط الأسباب، وهذا صحيح إذا ما تعلّق بجماعات جهادية كثيرة، إلا أنّ ما يحصل اليوم هو أن أهل الممانعة يرمون تهمة التكفير على الناس لأتفه الدواعي وبشكل “عُصابي” يائس، لا يخفي شيئاً من الاستغاثة: ففي الوقت نفسه الذي يزمجر فيه هذا الخطاب ويرعد، فبالكاد يخفي في طياته صرخة المستغيث، بأن “لا تدعوني أفقد نفسي في الحرب مع التكفيريين”. حسناً، إذا كان “حزب الله” بحاجة فعلاً لحمايتنا كلبنانيين غير تكفيريين من الخطر التكفيري الذي يرى أنه يهدّده وطائفته فليقلها بصراحة. لكن أن يدّعي أنه يحمينا؟ فليلعب غيرها.
وأساساً، أليست مفارقة المفارقات أنّ الحزب الذي يرفع راية الحرب على “التكفيرية” اليوم، إنما يفعل ذلك من موقع “أنا المقدّس، وأنا أحدد نطاق عمل مقدّسات الآخرين”، وأليست المفارقة كذلك الأمر أن اسمه أساساً، وبكل تواضع “حزب الله”؟ أنى لحزب ينسب نفسه على هذا النحو أن يؤمن بالتعددية؟ هو يكفّر التعددية بحجة أنها “تكفيرية”. هو فعلاً يحارب “التكفيرية” إنما من موقع غيبي ميثولوجي مؤدلج وليس من موقع تنويري، مهما تطوّع أنصاره العلمانيون وأغدقوا عليه من إسقاطات.
والخشية الكبرى أن يكون حزب عاجزاً بكل بساطة، ومن دون قطوع كارثي يمرّ به، على ما هو حاصل الآن، على فهم الحاجة إلى مبدأ “السواسية” و”المعاملة بالمثل”، إذا ما أردنا الاعتراف بجذرية الأزمة الأهلية اللبنانية، وجذرية الحلول المطلوبة، والتنازلات المطلوبة، من الجميع، باتجاه التفتيش عن سبيل منهجي للسيطرة عليها ومعالجتها.