كلّ شيء يدهمه شيطان الوقت: إنتخاباتُ الرئاسةِ والحكومة والإنتخاباتُ النيابية في تشرين 2014. الشيطان يتفرَّد بلبنان أحياناً فيما الملائكة غائبة. وأحياناً يصعب التعرُّف: مَن هو الشيطان ومَن الملاك؟ وأحياناً هناك تبادلٌ للأدوار بين الشيطان والملائكة!
يعتقد كثيرون أنّ المأزق لم يعُد محصوراً بإنتخابات الرئاسة، بعد تكريس المأزق الحكومي، وتعميم الفراغ والوكالات والتمديد في الأجهزة والإدارات. فالإتجاه يزداد وضوحاً، ومأزق الإنتخابات النيابية عائدٌ أيضاً.
في خريف 2014، ستكون الظروف مختلفة عما كانت عليه في ربيع 2013، عندما إلتقت المصالح على التمديد للمجلس. وعلى الأرجح، هناك مأزق مجلسي آتٍ بعد المأزقين الرئاسي والحكومي.
وبناء على ذلك، هناك 9 أشهر حُبلى بالفراغ. وهناك خوفٌ حقيقي من أن تكون الولادة فراغاً مِن فراغ… فيولَد مِسْخٌ جديد. وخلال الأشهر التسعة، ستتحدّد الإتجاهات في سوريا، وليس في لبنان. فهناك ستُرسَم التسويات والصفقات الدولية ـ الإقليمية، وسيتلقّى لبنان قِسطَه منها كالمعتاد، فتأتي لحسابه أو على حسابه.
وواضحٌ أنّ الرئيس بشّار الأسد وحلفاءه المحليين يضغطون نحو الفراغ الكامل، أي الفوضى. فهؤلاء يريدون هدمَ المعادلة القائمة، لكي يتمكنوا من بناء أخرى يعتقدون أنها أصبحت ناضجة، ويكونون هم ركنَها الأقوى.
وتبيّن أنّ هناك مساراً مدروساً لمسلسل التعطيل المستمر منذ أكثر من عام: إستقالةُ الحكومة وتعطيل تأليف أخرى، شللٌ وإرباكٌ في المؤسسات والأجهزة، تأجيلُ الإنتخابات النيابية والتمديدُ للمجلس، وتعطيلٌ محتمل لإنتخابات الرئاسة… ثم تعطيلٌ للإنتخابات النيابية مجدداً….
هناك أربعة أطراف يتجاذبون مصير الإستحقاق الرئاسي: البعض له مصلحة في إجراءِ الإنتخابات لتدعيم الإستقرار، والبعض يريدها لأنه طامح إلى بلوغ القصر. وفي المقابل، هناك راغبون في تعطيل الإنتخابات لعلّه يرجِّح التمديد أو التجديد، فيما هناك راغبون في التعطيل للوصول إلى الفراغ.
وثمّة مَن يرى أنّ الفريق الرابع هو الأقوى والأكثر قدرة على التحكّم باللعبة لأسباب عدة:
– إنّ قرار التعطيل هو في المبدأ أسهل من قرار إجراء الإنتخابات الرئاسية، لأنّ التنافر الحاصل حالياً يقود إليه تلقائياً، فيما القرار بإجراء الإنتخابات يحتاج إلى تسوياتٍ وتوافقات تبدو متعذِّرة.
– إنّ ذوي المصلحة في التعطيل والفراغ يتلقّون دعماً من حلفائهم الإقليميين المرتاحين إلى أوضاعهم. وهؤلاء يمتلكون في لبنان الأدوات الكفيلة بتحقيق أهدافهم، داخل السلطة وعلى الأرض، وأما الآخرون فيفتقدونها.
– إنّ عدم حسم النزاع في سوريا وتأجيل مؤتمر “جنيف – 2” من موعدٍ إلى آخر، ريثما يتمكن النظام من حسم كثير من النقاط العسكرية والسياسية، سيؤدي إلى تعليق التسويات في لبنان أيضاً.
ولذلك، هناك إقتناعٌ متزايد لدى كثير من الأوساط بأنّ لا إنفراجات دستورية في لبنان حتى الخريف المقبل على الأقل، أي إلى أن يكتمل سقوطُ المؤسسات كلها، الواحدة تلو الأخرى. فتسقط الحكومة بين ميقاتيةٍ يتعذّر رحيلها وسلاميةٍ يتعذّر تأليفها. وتسقط الرئاسةُ وسط تضاربٍ حول المؤسسة المولجة تولّي صلاحياتها. ثم يسقط المجلسُ النيابي بتعذّرِ ولادة قانون جديد للإنتخاب أو التمديد للمجلس مرة ثانية.
وهنا تصبح واردة كل الإحتمالات والسيناريوهات، حتى تلك الأكثر دراماتيكية. فسقوط المؤسسات يعني الذهاب الى الفراغ الشامل، أي إلى الفوضى، مع ما تحمله من مغامرات أمنية وسياسية وإقتصادية.
وإذا إتضحت الصورة في سوريا، حتى ذلك الحين، فسيكون وارداً تعميم النموذج على لبنان. وأما إذا بقيت سوريا غارقة في النزاع العسكري، وتكرست الخطوط بين المتنازعين، فإنّ لبنان سيكون مفتوحاً على المجهول أيضاً. وسيكون المؤتمر التأسيسي الذي يدعو إليه “حزب الله” مسألة ملحّة وطنياً للخروج من الفوضى.
وحتى ذلك الحين، من المفيد أن يلتزم الجميع حدودهم في التفاؤل بإنفراجات ممكنة، حكومياً ورئاسياً وبرلمانياً، منعاً للوقوع في الأوهام. فحتى تشرين الأول 2014، “طبخة” فراغ كامل. وبعد هذا التاريخ، قد يكون لبنان أمام خيارات نهائية تحدّد مصيره.