سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة – 2013 اللبنانية: سنة الانزلاق الكبير … لماذا لم تنفجر الحرب الأهلية بعد؟
لم تعد صرعات الارقام القياسية تغوي اللبنانيين لفرط ما تكررت ازماتهم واستعادت رتابة تكاد تغدو نمطية في تفريخ الاساليب نفسها من دون اي ابتداع حتى في تطوير الازمات. هي القصة التاريخية نفسها منذ عقود واشدها اعتمالا في منع هذا البلد من ان يمتلك يوما دولة لا زيادة ولا نقصان. واذا كان لسنة ٢٠١٣ الراحلة ان تتميز بشيء عن سابقتها، فهي انها احكمت الرباط القسري والقهري للازمة الداخلية بالصراع السوري على نحو لا فكاك منه فغدا واقع لبنان تحت وطأة الميدانيات السورية المباشرة، وتوأمت ازماته السياسية والامنية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية مع المظهرين الاكثر تفجراً من انعكاسات الصراع السوري عليه وهما الانزلاق التصاعدي الى حرب امنية بالواسطة وتعملق ازمة اللاجئين السوريين في ارضه.
من الناحية الاكثر تقليلا لفداحة مسار السنة الآفلة ان تساق معادلة ايجابية في ظاهرها وهي ان بلدا اسمه لبنان لكان انفجر حتما بحرب اهلية لا هوادة فيها مع كل ما شهده جراء تدفق التداعيات السورية عليه. وهذا صحيح وحقيقي ويمكن تثبيته والاستمرار في البناء عليه كخيط امل ولو واه للدفع قدما في مقاومة الانزلاق او الاستدراج الآخذ في التصاعد لتفجير لبنان في فتنة مذهبية لا تبقي ولا تذر. والمعادلة الواضحة القائمة حتى اشعار آخر تثبت ان الافرقاء اللبنانيين على اختلاف مواقعهم وعمق انقساماتهم وتجذرها تحت وطأة التورطات في الازمة السورية قد اتخذوا قرارا تاريخيا في الهروب الى اقصى الحدود من تجرع كأس الحرب الاهلية مجددا. من يملك القدرة على الحرب الداخلية لا مصلحة له فيها ومن لا يملك السلاح الكافي للحرب لا ارادة له فيها ولا مصلحة. لكن هل كان ذلك كافيا وهل تراه سيكفي لاحقا لمنع تحويل الحرب المقنعة الجارية من ان تتفجر على اوسع مدى؟
ذاك هو السؤال الكبير الذي سيطل على لبنان مع سنة ٢٠١٤ التي ترث الخط البياني التصاعدي لسنة مأزومة كان من ابرز معالمه استعادة جوانب من ازمات الحروب اللبنانية في السياسة على وقع تورط “حزب الله” في الصراع السوري المباشر وتورط جماعات لبنانية وسورية في مواجهته مباشرة في لبنان. تورط مزدوج لم يقو على صد تداعياته ما اريد له ان يوازي الدستور اللبناني قدرة على إلزام متعهديه اي “اعلان بعبدا” الذي كان مقيضا له ان يغدو الوصفة الناجعة لتحييد لبنان عن الازمة السورية و”الرقية” لرد لعنة الارتباطات اللبنانية بالخارج عند كل هبة وعاصفة وحرب فاذا به يخر صريعا ولا يصمد الا لاشهر عدة على اكتسابه دمغة التبني من اعلى محفل اممي ودولي اي مجلس الامن الدولي. انهيار سعى رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى تداركه بانشاء مجموعة الدعم الدولية للبنان التي ولدت في نيويورك في 25 ايلول وبدت اشبه بانجاز يتيم طوال سنة القحط هذه علها تشكل حزام امان دولي يعين لبنان على اجتياز حقول الالغام .
وهو السؤال الكبير الذي سيعيش مع يوميات اللبنانيين ويقض مضاجعهم بعدما بشرتهم دوائر الامم المتحدة بان اعداد اللاجئين السوريين الذين وصلت في السنة ٢٠١٣ الى ما يوازي الـ٢٠ في المئة من عدد السكان المقيمين في لبنان مرشحة لأن ترتفع في نهاية السنة الجديدة الى الضعف على الاقل اي بما يناهز الـ٤٠ في المئة من اجمالي عدد السكان. معنى ذلك مرعب تماما وهو ان لبنان مهدد للمرة الاولى منذ نشوئه في هويته وكيانه ان لم يكن اكثر في واقعه الديموغرافي والجغرافي الذي سيرتبط معه مصيره بمصير سيناريوات الشؤم الذاهبة في التبشير بتقسيم سوريا وانحلال حدود سايكس – بيكو على امتداد الشرق العربي بأسره.
وهو السؤال الكبير الذي فجرته منذ الربيع الماضي تلك العودة المفجعة الى ظاهرة ظن اللبنانيون بسذاجة انها غادرتهم الى غير رجعة بعد الطائف، ظاهرة التمديد لمجلس النواب التي سقطت معها حصانة الحد الادنى من حياة نيابية وسياسية وأذابت ماء الوجوه وانتهكت صورة حامي المؤسسات والدستور على ايدي ممثلي الشعب. وما عجزت عنه هذه المأثرة استكمل بنجاح منقطع النظير في تحطيم الرقم القياسي المزدوج في تاريخ الازمات الحكومية في لبنان. اطول ازمات التشكيل واطول ازمات تصريف الاعمال في عشرة اشهر والحبل على الجرار.
وهو السؤال الكبير الذي يرتجف حياله اللبنانيون مع الاستباحة الامنية الواسعة والمتجولة التي تتنقل بين طرابلس والبقاع والضاحية وصيدا، استباحة تختلط فيها التفجيرات الارهابية والانتحارية مع الفوضى المسلحة والحدود الفالتة المفتوحة على كل انواع التصدير والاستيراد والتورطات المنظمة والعشوائية المرعية اقليميا. واذا كان لعنوان حصري واحد ان يختصر السنة الراحلة فهو انها سنة الانزلاق الاكثر خطورة بلبنان الى استدراج الميدانيات السورية وأنماطها الى ارضه عبر جولات التفخيخ الارهابي التي ضربت طرابلس والضاحية الجنوبية والسفارة الايرانية وصيدا والبقاع الشمالي من جهة وجولات القتال المذهبي المتعاقبة في طرابلس من جهة اخرى.
هل ترانا في حاجة الى مزيد من استسقاء العناوين الاخرى للازمات المتفرعة والاضرار الجانبية المتمددة في سائر انحاء لبنان واقتصاده ومجتمعاته وطوائفه ومذاهبه واحزابه وناسه؟ وماذا عن السنة المطلة بهذا الارث المفزع؟
اغلب الظن ان اسوأ ما يكتب على لبناني هو ان يصبح مدونا، مجرد مدون، لازمات بلد مدمن هذا المصير.