يجد الأشخاص الذين يتعرضون للخطف أو الاعتقال في بلادنا، أنفسهم أمام مصاعب عدة لاستكمال حياتهم، تكون أحياناً أكثر قسوة من الأسر والاختطاف نفسه. كأن الظلم يحطّ عليهم ولا يفارقهم، في ظل غياب سلطات ترعاهم. فالمحررون من أعزاز شغلوا خمس دول، ولم يبق كلام عن تسويات سياسية وصفقات إلا وقيلت فيهم، وبسببهم.
دفعت في تلك المفاوضات ملايين الدولارات، فدية للخاطفين، ومصاريف مطارات وطائرات وفنادق. لكن في النهاية عاد الرجال التسعة إلى حياة ليست كالتي غادروها. رجال بسطاء يعملون في مهن بسيطة، قيّض لهم أن يكونوا فدية سياسية. خسروا جزءاً من صحتهم، وخسر سبعة رجال من أصل تسعة أعمالهم، من دون أن يجدوا أي جهة تساعدهم.
ربما يقول البعض إن عليهم شكر ربهم لبقائهم على قيد الحياة، ربما يسأل البعض: لماذا ذهبوا أصلاً إلى الزيارة؟ لكن المعايير تنقلب في زمننا إلى درجة ينشغل فيها الناس والصحافة والإعلام، بالأثمان السياسية، ولا يسأل أحد: ما دامت دفعت الملايين، لماذا لم يحصلوا على قرش واحد منها كتعويض لهم؟ كأنهم مجرد أرقام في معادلات سياسية، وليسوا أرباب عائلات، تغيّرت حياتها كلياً أو بشكل شبه كلي.
طلب المحررون المساعدة من كلٍّ من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، ووزيري العمل والداخلية، لكن ما حصلوا عليه، تولي مستشفى الساحل معاينتهم وعلاجهم على نفقة وزارة الصحة. بينما يدفعون بدل الطبابة والأدوية من جيبهم الخاص، مع العلم أنهم جميعهم يتناولون الأدوية، بعد ازدياد الأمراض لديهم.
حسن أرزوني يخسر محل الحلويات
كان لدى حسن أرزوني (ثلاثة وخمسون عاماً)، محل للحلويات في حي السلم، يدر عليه دخلاً شهرياً بمعدل ألف وخمسمئة دولار. أقفل المحل بعد اختطافه، ولا يزال مقفلاً منذ تسعة عشر شهراً، بسبب وضع أرزوني الصحي والمادي. فقد أصيب بالفتاق خلال اختطافه نتيجة تعرضه للضغط النفسي ومشاكل المعدة. وعندما عاد أجرى عمليتي فتاق، ويمنع عليه حالياً حمل أي غرض ثقيل الوزن أو صعود الأدراج. كما يعاني من مرض ارتفاع الضغط، وتلزمه علبتا دواء شهرياً، يبلغ ثمن كل علبة منها أربعة وخمسين ألف ليرة. فيما تحتاج زوجته إلى صورة سكانر كل ستة اشهر، وأدوية شهرية، نتيجة استئصال الغدة الدرقية.
لدى أرزوني ستة أولاد، يعمل أربعة منهم في مهن بسيطة. اثنان منهما متزوّجان، هما ابنه البكر علي ويعمل في شركة تنظيفات، وابراهيم الذي يعمل مع شقيقيه حسين ومحمد في المطاعم، يُضاف إليهم ولدان صغار السن. وبالتالي لا يستطيع الأولاد تأمين مصاريف العائلة، خاصة المتزوجين منهم. مع ذلك لا يزال أرزوني يحتفظ بمحل الحلويات، ويدفع بدل إيجاره مئتي ألف ليرة، في انتظار تحسن وضعه الصحي وإعادة افتتاحه. ويستدعي المحل إعادة تأهيل من جديد، بسبب التلف الذي لحق بالبضائع والماكينات نتيجة إهمالها.
لدى أرزوني ستة أولاد، يعمل أربعة منهم في مهن بسيطة. اثنان منهما متزوّجان، هما ابنه البكر علي ويعمل في شركة تنظيفات، وابراهيم الذي يعمل مع شقيقيه حسين ومحمد في المطاعم، يُضاف إليهم ولدان صغار السن. وبالتالي لا يستطيع الأولاد تأمين مصاريف العائلة، خاصة المتزوجين منهم. مع ذلك لا يزال أرزوني يحتفظ بمحل الحلويات، ويدفع بدل إيجاره مئتي ألف ليرة، في انتظار تحسن وضعه الصحي وإعادة افتتاحه. ويستدعي المحل إعادة تأهيل من جديد، بسبب التلف الذي لحق بالبضائع والماكينات نتيجة إهمالها.
علي ترمس لم يجد منحة مدرسية
لم يكمل علي ترمس عمله في محل سمانة يملكه شقيقه، في حي السلم. واضطرت ابنته فدك (ثمانية عشر عاماً) إلى العمل في المحل، خلال غياب والدها، لأن شقيقه يعمل في مهنة أخرى، ولم يكن قادراً على التوفيق بين العملين. لكن فدك تعبت بسبب عدم اعتيادها على إدارة محل، وانتقلت للعمل في فرن الأمراء. وكانت النتيجة تراجع المبيعات.. حتى حدود التصفية، في حال لم يجر تأمين مبلغ مالي من أجل شراء البضائع، وتلبية طلبات الزبائن، كما تقضي مهنة التجارة.
أجرى ترمس عمليتين لإزالة كيسَي دهن من كتفه ويده، بينما استدعى كيس الدهن في الكتف أخذ خزعة منه وإجراء زراعة لها. تقول زوجته إنه كان لدى أهالي المحررين لقاء مع الأمين العام للهيئة العليا للاغاثة العميد ابراهيم بشير، منذ شهر تقريباً، لكن ابراهيم أوقف عن العمل بتهمة اختلاس أموال. واتصلوا بوزير الشؤون الاجتماعية الوزير وائل أبو فاعور، طالبين مساعدات مدرسية لأولادهم، لكن ابو فاعور أجاب أن مساعدتهم ليست من صلاحياته، وإنما من صلاحيات الهيئة العليا للاغاثة. وتعلق زوجة ترمس قائلة: ربما مساعدة جمعيات نساء الرؤساء والوزراء، هي الأكثر أهمية!
تدرس فدك فن الغرافيك ديزاين وتعمل في الوقت نفسه من أجل مساعدة والدها وهي في عمر الثامنة عشرة، بينما تدرس الابنة الثانية التربية الحضانية، وقد علمت في إحدى المدارس على فترات متقطعة. ومعهما شقيق فتى في الثالثة عشرة من عمره لا يزال في المدرسة، ويترتب دفع قسط سنوي له بقيمة مليونين وأربعمئة الف ليرة.
يوضح ترمس أنه كان يأمل بالحصول على تعويض ولو قليل من أجل إعادة افتتاح المحل. لكنه بدلاً من ذلك، يقصد مستوصف الكيان من أجل الحصول على طبابة رخيصة الثمن. أما المساعدات التي تلقاها مبلغ ألف دولار من حركة أمل، ومبلغ قليل أرسله له أحد أشقائه المهاجرين. وهي جميعها مبالغ مقطوعة، وتشكل دخلاً دائماً له.
حسن حمود يسعى لتوظيف ابنه
يعمل حسن حمود (واحد وخمسون عاماً) في التبليط والدهان. ويعاني حالياً من كسل في عضلات إحدى عينيه، وطنين في اذنيه، والتهاب البروستات، وأوجاع في الرجلين، يصفها قائلاً: عندما أمشي أشعر بأن أبراً توخز رجلي الإثنتين، من الكعب حتى الفخذين. يوضح أنهم خلال فترة خطفهم كانوا يشربون أحياناً مياهاً موحلة يسمونها مياه الجب. ويقول إن الأطباء في مستشفى الساحل وصفوا لهم أدوية، لكنهم طلبوا منهم شراءها على حسابهم الشخصي، كأن الأدوية رخيصة الثمن؟
يقصد حمود مستوصف الكيان لشراء الأدوية بأسعار قليلة الثمن. لكن لا توجد أدوية خاصة بالجهاز العصبي والعيون، بينما يحتاج شهرياً إلى ثلاث علب دواء لعلاج الجهاز العصبي، يبلغ ثمنها سبعين ألف ليرة، وثلاث علب دواء لعلاج التهاب المسالك البولية ثمنها مئة وسبعة عشر ألف ليرة.
ولدى حمود خمسة أولاد، صبيّان وثلاث بنات، بينهم ابنة واحدة تعمل موظفة سنترال في إحدى المؤسسات، فيما تقدم ابنه بطلب توظيف في الجيش اللبناني، وينتظر الجواب، ويسعى ابنه الثاني للعمل في إحدى شركات التأمين. ولا يزال الأب يصرف من المساعدات التي قدمها المدير العام للأمن العام لأهالي المخطوفين، وقدّم لهم الشهر الماضي مليون ليرة.
محمد منذر ينتظر الأمن العام
يعيش محمد منذر، أصغر المحررين سناً، (خمسة وعشرون عاماً) في حالة بطالة كلية. كان يعمل في توزيع المازوت مع أبناء عمه، بعد توقفه عن الدراسة في أحد المعاهد المهنية. ويروي أنه انتقل للعمل في سن مبكرة، بعد اصطدام والده (ثلاثة وخمسون عاما) سائق فان مع سيارة للمخابرات السورية في شتورا العام 2005، وإصابته بأربعة وعشرين كسراً في رجله، أدت إلى عطبها، بالإضافة إلى معاناته من مشاكل في القلب.
بعد اختطافه استبدله ابناء عمه بعامل آخر، بينما لا يستطيع والده إعالة عائلته، ولا طبابة زوجته المصابة بترقق العظام وهي في عمر السابعة والأربعين، وما يستطيعه فقط نقل تلامذة إحدى المدارس صباحاً ومساء فقط بالفان، لذلك يحتاج إلى مساعدة أولاده.
ويوضح منذر أن لديه شقيقة تعمل ممرضة، هي الوحيدة التي تتولى حالياً مصاريف المنزل، لكنها لا تزال في مرحلة الدراسة، وتحتاج إلى ثلاثة ملايين وستمئة ألف ليرة، غير قادرة على دفعها.
ويوضح منذر أن لديه شقيقة تعمل ممرضة، هي الوحيدة التي تتولى حالياً مصاريف المنزل، لكنها لا تزال في مرحلة الدراسة، وتحتاج إلى ثلاثة ملايين وستمئة ألف ليرة، غير قادرة على دفعها.
ويرفض تحميل محرري أعزاز مسؤولية سفرهم إلى العراق براً عبر سوريا، لأن الأمن العام لم يمنعهم من العبور حينها. ويقول: لم نتعرض للخطف لأن الطريق خطرة، ولكن لوجود دول شاركت في خطفنا.
ويروي أنه اثناء اختطافه تعارك مع اثنين من المسلحين بعد امتناعهم عن جلب دواء لكل من علي زغيب الذي يعاني من مشاكل في القلب، وعوض ابراهيم المصاب بمرض الشقيقة. وتسبّب العراك بكسر أنفه، وتمزق غضروف إحدى ركبتيه، وخلع كتفه، بعد ضربه بأعقاب البنادق. كما اصيب بالتهاب في اللثة والأسنان نتيجة الإهمال. ولا يزال يعالج ركبته في مستشفى الساحل، وأسنانه لدى طبيب أسنان على نفقته الخاصة.
حاول القيام بوساطة مع الرئيس نبيه بري من أجل التوظيف في الأمن العام. ويقول: لو أوقفوا راتبَي وزير ونائب، يدفعون منها تعويضات لنا. لكنهم جميعهم كاذبون، ولو حصلت الانتخابات سوف أسقط ورقة بيضاء.
عباس حمود ومشاكل الجهاز العصبي
يتقاضى عباس حمود عسكري متقاعد (اثنان وخمسون عاماً) راتب تقاعد يبلغ مليوناً ومئتي ألف ليرة لبنانية. لديه محل سمانة في المساكن الشعبية في صور، وشقة اشتراها بالتقسيط. يدفع مليون ليرة من راتبه بدل القسط، مستنداً إلى دخل المحل من أجل مصاريف المنزل. لكن المحل أُقفل، ولم يبق لديه دخل آخر.
يقول إن زوجته تعرضت لحادث اصطدام خلال زيارتها أهلها في بلدة شمع خلال اختطافه، أدى لإصابتها في رأسها وإحدى عينيها وكسر وركيها، كما تطلقت ابنته سحر من زوجها بعد انشغالها بخطف والدها ولم يطق زوجها حالتها، فعادت لتقيم لدى أهلها من دون أولادها الثلاثة، بعدما قرّر زوجها إبقاءهم معه على الرغم من زواجه من امرأة ثانية.
كان عباس حمود يعاني من مشاكل في الجهاز العصبي، وزادت المشكلة بعد الاختطاف. ويعاني من تقرحات في المعدة. يقسم أنه يحتاج شهرياً إلى فيتامينات وأدوية بنحو ثمانمئة ألف ليرة. ويروي أن خاطفيه توقفوا لفترة عن شراء الأدوية المهدئة له، فبقي من دون نوم مدة شهر وثمانية وعشرين يوماً حتى أصيب بإعياء شديد، وتولى جميل صالح غسل ملابسه وجلب الطعام له.
يوضح أنه شديد الولع بأولاده، وعندما غاب عنهم أصيب بانهيار، فكان يخرج إلى حقل الزيتون حيث وضعوهم، ويبكي.
يوضح أنه شديد الولع بأولاده، وعندما غاب عنهم أصيب بانهيار، فكان يخرج إلى حقل الزيتون حيث وضعوهم، ويبكي.
لدى حمود ولدان موظفان في الجيش وقوى الأمن الداخلي، لكنهما متزوجان، ولا يستطيعان مساعدة والدهما، سوى بمبلغ مئتي ألف ليرة. استدان اربعة ملايين وخمسمئة ألف ليرة من أجل شراء بضاعة للمحل. كما رهنت زوجته ذهباً لديها لدى مؤسسة القرض الحسن، وقدّم له حزب الله مبلغ ألف وخمسمئة دولار.
ينقل حالياً تلامذة مدارس بواسطة الحافلة، ويستدين من إحدى الصيدليات بدل ثمن الأدوية، على أن يسددها بالتقسيط.
جميل صالح يرغب بلوحة عمومية
تقاعد جميل صالح (خمسة وستون عاماً) من عمله في معمل لتصنيع معلبات حفظ المواد الغذائية في الشويفات. كان يتقاضى راتباً بقيمة مليون وخمسمئة وخمسين ألف ليرة، لكنه خسر خلال اختطافه رواتب ستة عشر شهراً، بسبب توقفه عن العمل. ولم يتبق لديه سوى تعويض نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي، بقيمة خمسة عشر مليون ليرة، بدل ثلاث عشرة سنة خدمة، بينما تلقى مليوني ليرة مساعدة من «حركة أمل».
يوضح صالح أن المحررين طلبوا من وزير الداخلية بيعهم لوحات عمومية مباشرة بأسعار الوزارة. وقيمة السعر الرسمي لكل لوحة ستة ملايين ليرة، بينما تصل في السوق إلى واحد وثلاثين مليون ليرة. لكن وزير الداخلية أبلغهم أن ذلك القرار يحتاج إلى مرسوم من مجلس الوزراء. ويقول إنهم كانوا كلما زاروا مسؤولاً يشرح لهم معاناته من أجل الإفراج عنهم، بدلاً من التفكير في التعويض عنهم.
خطط صالح لشراء لوحة عمومية بعد إحالته إلى التقاعد، لكن لم يكتب النجاح لخطته.