يعبر ميلاد مؤسسة “بيت الرجاء” فوق رؤوس 65 طفلا هذا العام من دون أن يخيّم في المكان، على الرغم من محاولات مدير الدير ماهر طبراني إضاءة الشجرة والمغارة وإشاعة ما أمكن من أجواء الفرح، إلا إذا حملت الساعات الأخيرة مفاجأة من مثل تبرع جهة محسنة ببعض الحلوى أو ال”برغر” أو حبش العيد أو في أحسن الأحوال المال لاستدراك ما أمكن من الهدايا.
هناك انتظر الأطفال من قبل، وأعمارهم ما بين السنتين والثمانية عشر عاماً، الاحتفال بالأمسيات الرمضانية وعيد الأضحى، لكن قلة تذكروهم حينها، فعبر العيد في الجوار ولم يميّل، في الوقت الذي لا تسهم وزارة الشؤون الاجتماعية إلا بنسبة ضئيلة، وقد تتأخر، فيبقى الهاجس في كيفية الحصول على مصادر تمويل توفّر على الأقل وجبات الطعام اليومية .
وهناك في البيت المتواضع، يحطّ أطفال الشوارع بعد طول تشرّد وجوع وانتهاكات وتطاول بحق طفولتهم ، وبعد أن يلقي الأمن القبض عليهم في الشارع و يحوّلهم المدعي العام أو محكمة الأحداث الى ذاك البيت بهدف رعايتهم وتأهيلهم لاعادة دمجهم في المجتمع. وكم تكون عملية التأهيل تلك صعبة، إذ يؤكد طبراني بأن التعامل مع طفل علّمه الشارع بأن لا يثق بأحد، يتطلب الكثير من الصبر في الطريق نحو إعادة دمجه وبثّ الطمأنينة في قلبه من جديد، هو الجائع والذي يفكّر بالدرجة الأولى بسد جوعه مهما كانت الوسيلة .
وفي الطعام يكمن هاجس أولئك الأولاد، هم الذين جاعوا كثيرا، وتشردوا أكثر، الى حد أنهم ما عادوا يفكرون بالغد إلا من زاوية واحدة: “بخصوص بكرا رح بنلاقي أكل أو لاء”.وهو الهاجس نفسه الذي يعيشه طبراني، في الوقت الذي تتضاءل التقديمات متأثرة بحال الجمود واللااستقرار، ويكبر الخوف أن يأتي اليوم الذي ينام فيه أولاده الـ65 من دون عشاء مثلا، ومع ذلك يأمل بالمحسنين وبأنّ:”الله ما بيترك حدا”.
حكايات أطفال الدار لا تخلص، فبينهم الذي كبر وصار شابا يتهيأ للمغادرة بعد طفولة قاسية ومحطات علّمت على جسده بالموسى وقطع الزجاج، إذ بعد مقتل والده وتخلي والدته عنه اضطر للنوم في باص خردة في أحد شوارع الضاحية الجنوبية. وفي الشارع تعلم كل ما يتنافى مع طفولته، وازداد طبعه شراسة وعدوانية الى أن أنهى رحلة تشرده في الدار. فقاوم وتمرّد لكنه في المحصلة تعلّم وهدأ طبعه حتى أنه صار شبه متطوع في الدار يبادر الى مساعدة فريق العمل والاهتمام بمن هم أصغر منه. وبين الحكايا طفل بعمر السنتين كان يحاول الاختباء على أخته في درج الخزانة.يختبئ ثم تفضحه ضحكته ولمّا لا تتجاوب أخته مع فسحة اللعب المحدودة تلك يطلق الصراخ وسيلة اعتراض بعد أن فشلت أمه في حمايته أو فشلت في الاحتفاظ به وقد تكون فرطت به لأسباب الكسب والاسترزاق. والى جانب ابن السنتين طفل صغير السن أيضاً، كان يبيع الحلوى في وسط بيروت لكنّ رجلا دسّ له المخدر في قارورة ماء بغية الاعتداء عليه جنسيا .ولمّا غاب عن الوعي، ولم يُفلح المعتدي في خطفه، وقع في يد رجل أمن أخذه الى المخفر ومن ثم الى بيت الرجاء. يذكر طبراني:”وصل هذا الطفل الى بيت الرجاء ببروتيل فقط ومن دون سروال..”.
ومثل أحواله كثر، بينهم فتيات ضاق بهن الأهل والشارع والمجتمع، فرسين في بيت للتأهيل، وفي غالبية الموجودين هناك لا يملكون أوراقا ثبوتية ولا ما يعرف عنهم سوى المعطيات التي يقدمونها، يعلق طبراني:”أحيانا يصل الينا شاب يقول إ عمره 11 سنة، ولكن ملامحه وجثته يعطيانه سنا أكبر وهنا لا يكون بيدنا سوى أن نقبل ما يقول”. ويأسف لأنّ بعض الأطفال ممن دخلوا المؤسسة، يرجعون الى الشارع بعد أن يستعيدهم الأهل ويجدون فيهم موردا جيدا للاسترزاق، ولا يهم إن عاد أولئك الأطفال جثثا أو معطوبي الأطراف.
وعن عدم وجود وثائق ثبوتية لديهم، يسرد طبراني معاناته في هذا الجانب:”لدينا في البيت تأمين صحي للأطفال يخولهم الدخول الى المستشفى في حال الطوارئ فقط.عدا ذلك لدينا معاناة كبيرة حتى أن أحد الأطفال بعد أن اشتد المرض عليه واضطررت نقله الى احد المستشفيات الحكومية، علق موظف الاستقبال:بدل ما تدفع على ولد مش معروف قرعة بيو من وين روح تكفلك بشي ولد لبناني. ولهيدا اللي جايبوا تركوا يموت”. ويتابع طبراني:”بعد التجربة معاناتنا ليست مع الأطفال فقط، وإنما في الأمراض المجتمعية المتفشية والتي باتت تقسّم اللبنانيين بحسب المذهب والانتماء”. ويؤكّد:”في المؤسسة هناك طفلان مسيحيان فقط والبقية من مختلف الطوائف بينهم نحو 20 طفلا لبنانيا والآخرون من جنسيات أخرى”.
وبخصوص الغد، يبدي طبراني أمله في التفاتة الى تلك المؤسسة غير المحسوبة على أي جهة سياسية، ولا تنشد سوى حماية طفل لم تفلح كل الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين في حمايته من لصوص الطفولة والمعتدين على براءته ، خصوصا أنه في الداخل يخضع لدورات محو أمية ويتعلّم ويلعب وينام من دون خوف أن تأتي إحدى الدوريات وتلقي به في مخفر يزيد شقاءه شقاء.