#adsense

في الميلاد… أُمنيَتي لو أستطيع رُؤية وجه أمّي

حجم الخط

«في هذا العيد أتمنّى لو أسترق النظر إلى ملامح وجه أمّي»… لم تكن تجاوزَت هنادي عامها الثالث يوم قادها فضولها لمعرفة ما تعدُّه والدتها في القِدر على نار حامية، فتسلّلت إلى المطبخ محاولةً الصعود نحو حافة الفرن. وما هي إلّا ثوانٍ معدودة حتى هزّ صراخ الطفلة جدرانَ المنزل، لقد هوى قِدرُ الكشك على رأس هنادي محرقاً جلدة رأسها الناعمة، متغلغلاً إلى عيونها…

بِخجلٍ تُتمتِم هنادي (21 سنة) أمنيتها، محاولةً التغلّب على حنينٍ يغلي قلبها منذ سنوات. فتروي لـ”الجمهورية”: “يتحدّاني البعض أنّني كنتُ صغيرة ولا أذكر وجه أمّي لأحنّ إليه، إلّا أنني أذكُر جيّداً ملامحها الناعمة ووجهها البشوش، لذا لا أندم على “رذالتي” بقدر ما أندم على عجزي عن رؤية والداي، فبعد تلك الحادثة فقدتُ بصري”.

لم تستسلم هنادي لإعاقتها، فالتحقت بالمدرسة اللبنانية للضرير والأصمّ باكراً، حيث لا تحرص فقط على متابعة دروسها، إنّما تعلّمت العزف على الكمنجا. لا يمكن لمن يلتقي بهذه الشابة إلّا أن يسأل عن سرّ ابتسامتها وفرحها الدائم، فتجيب هنادي بحماسة متناهية: “إنّه عيد الميلاد، فكيف لا أفرح؟”… وتتنقل “أمّ الهِمم”، كما يلقّبها أساتذتُها، بين الصفوف متلمّسةً زينة جدرانها.

تنسيق… «عالعمياني»

تَكتسبُ تحضيرات عيد الميلاد طابعاً خاصّاً في هذه المدرسة، فهنادي وغيرها من التلامذة المكفوفين يشكّلون جوقة خاصة من المرنّمين والعازفين المحترفين، يحيون الحفلات الميلاديّة على مختلف الأراضي اللبنانيّة.

كيف يمكن لمجموعة من المكفوفين الدخول في الإيقاع عينه والتنسيق مع المايسترو؟ سؤال قد يتبادر إلى ذهن البعض، سرعان ما يجيب عنه التلميذ مايكل بعفوية متناهية: “يسوع من يَهمس”النوتات” في آذاننا”، وتقاطعه صديقته ريتا قائلة: “صحيح أنّ البعض منّا يرى مجرّد ظلال، ومنهم من يعزف على السمع، ولكنّ أكثر ما يجعل عملنا ناجحاً هو بدء التمارين المكثفة من شهر أيلول، إضافةً إلى متابعة الأساتذة لنا باستمرار، فكلٌّ منّا يحفظ دوره على أكمل وجه”.

حماسة فادي لا تقلّ حرارة عن غيره من الزملاء، فلا يكتفي في تكثيف ساعات عمله في مشغل القشّ والخيزران، فهو يرافق الجوقة في العزف على البيانو أيضاً. ويروي لـ”الجمهورية” عن تجربته: “ولدتُ في الشهر السابع، توفي شقيقي التوأم، ونتيجة خطأ طبّي فقدتُ بصري، إلّا أنّني ثابرت على تخصّصي في الأدب الإنكليزي، بعد أن إلتحقت بمدرسة للضرير والاصم عام1993، وأتقنت حرفة صناعة القش، وكذلك العزف على البيانو”. لا ينكر فادي وجود صعوبات أثناء التمارين، إلّا أنّ “التنقّل على مسارح المدارس والمشاركة في الاحتفالات يزيدان حماستنا، فنتأكّد أنّ القلب يبصر ما لا تبصره العين”.

تلامذة هذه المدرسة ليسوا الوحيدين المنشغلين في التحضير لعيد الميلاد، ففي مركز بيت شباب أيضاً للعيد طعم آخر…

ترسم بأنامل مشلولة

كانت ماري في الثامنة عشر ملقاةً بين الجثث والأشلاء لمّا تنبّه لأمرها رجلٌ يحصي ضحايا مجزرة البيرة الشوفية وهي لا تزال تتنفّس. منذ 30 عاماً وإصابتها بالشلل، تغيّر مفهوم عيد الميلاد لدى ماري وإختلفت تحضيراتها له، وتروي لـ”الجمهورية”: “كنت أعتقد أنّ المرء إمّا أن يبقى على قيد الحياة إمّا أن يموت مرّة واحدة، لكن تبيّن لي أنّنا قد نموت ونعيش ألف مرّة في حياتنا. فبعد كلّ ما أصابني تخلّيت عن أحلامي وطموحاتي في دخول مجال الهندسة، إلّا أنّني رفضتُ الاستسلام على الرغم من ضيق الخيارات المتاحة أمامي”.

تصمتُ، تتنفّس من أعماق صدرها، وتقول: “أدركت قيمة كلّ ملّيمتر بإمكاني تحريكه في جسدي، لذا طلبت من أحدهم في مركز بيت شباب، حيث أمضي حياتي، صنع “attelle” ليدي اليمنى على نحو يمكن معه شكُّ ريشة الرسم كخاتم. وبما أنّ بوسعي رفع يدي قليلاً من دون تحريك أصابعي، صرتُ أحني رأسي لأسند يدي بوجنتي، ومع حركة رأسي تتحرّك الريشة”.

لا تنكر ماري أنّها وجدت الأمر مستحيلاً في البداية، حتى إنّها فشلت في رسم إسمها، إلّا أنّ تشجيع المحبّين لها زادها اندفاعاً وحماسة، فدخلت أحد معاهد الفنون وتعلّمت أسُس الرسم لثلاث سنوات، وأطلقت تدريجاً العنان لريشتها في… أمّا اليوم فتجد نفسها “طحّيشة”، تشارك في معرض بيت شباب الميلادي سنويّاً، بالإضافة إلى عدد من المعارض الميلاديّة حيث تلقى لوحاتُها رواجاً وإقبالاً.

«الدِني انتهِت هون»

منذ 37 عاماً قصد شربل مركز بيت شباب لإعادة التأهيل، بعد إصابته بشلل رباعي، وفي اعتقاده “الدني انتهت هون” خصوصاً أنّه لم يتابع تحصيله العلمي.

أمضى المرحلة الأولى يتلهّى، من دون أن يتقن أيّ حرفة أو يفكّر جدّياً في مستقبله. ويقول لـ”الجمهورية”: “بعد طول عناء، عُدت إلى نفسي فكّرت مطوّلاً، رأيت أنّني لست المعوق الوحيد… أدركت أنّ يأسي استسلامٌ، واستسلامِيَ موتٌ، ولكن نحن كبشر مدعوّون إلى خلق شيء جديد، لذا بحثت عمّا أعبّر به عن التجدّد”.

كان يتأملّ شربل جسده المشلول ويتألم لعجزه عن القيام بأيّ حركة، إلا أنه في أعماق ذاته كان يرفض العيش على الهامش، من دون أي دور فاعل، خصوصا في زحمة الاعياد وتحديدا عيد الميلاد. فيخبر: “قادني فضولي إلى دخول إحدى غرف الرسم في المركز، وتدريجاً وجدتُ في الرسم على القماش ولادة جديدة. ففي الإبداع والعطاء يجد المسيح مكاناً ليولد فيه، لا أدّعي الإحترافية إلّا أنّ أعمالي تلقى إعجاب الآخرين”. ويضيف: “أحيانا نضطر ان نتخلى عن أحلامنا، ونتوهّم بأنّ الله تخلّى عنّا، لكن في الحقيقة يكون قد وجّهنا نحو ما هو أفضل لمستقبلنا”.

الاختصاصية الاجتماعية

“إحساس المشاركة في عجلتَي الإنتاج والإبداع يحرّر المرء”. بهذه العبارة تختصر الاختصاصية الصحّية والاجتماعية ماري روز جميّل أهمّية تغلّب المعوّق على إعاقته وإنخراطه في المجتمع.

وفي حديث لـ”الجمهورية”، توضح الجميّل: “الدمج في المجتمع أساس التربية، والمعوّق من خلال التحاقه بأيّ مؤسسة تعنى بذوي الإحتياجات الخاصة، لا يعمل فقط على التأقلم مع إعاقته، إنّما يطوّر مهاراته الحسّية، يفعّل حواسّه، ويوسّع مقدرته الإستيعابية”.

وتتوقّف الجميّل عند أهمّية اكتساب الاستقلالية النفسية، من خلال تحقيقه لذاته، قائلة: “الاعتناء بالمنحى النفسي مسألة أساسية، فمن خلال الإنشاد، العزف على آلات موسيقية، الوقوف على خشبة المسرح… بالإضافة إلى نشاطات حِرفية، من شأن كلّ ذلك تنمية الشخصية وتعزيز الشعور بالإستقلالية”.

وتلفت الجميّل، إلى أنّ هذه المكاسب لا يمكن للمعوّق تحصيلها ما لم تبدِ أسرته أيّ تعاون، فتقول: “مِن الأهالي مَن لا يزالون يخجلون من إعاقة أبنائهم، أو غير مقتنعين بإمكانية تطوير قدرات أولادهم، لذا أيّاً تكن الجهود التي تبذلها إدارات المؤسّسات المتخصّصة، فمن دون التنسيق مع العائلة وبيئة المعوّق، تبقى عملية التطوير مجتزأة، وتعجز البرامج التربوية والتأهيلية من إحداث أيّ تغيير”.

وتنهي الجميّل حديثها، مقدّمةً نصيحة إلى الأهل: “بصرف النظر عن إعاقة الولد، لا ينفع التردّد للحظة، فلا بدّ من تخطّي العاطفة الشخصية والبحث عن أقرب مؤسّسة تنسجم واحتياجات الولد الخاصة، لتقدّم له فرصة للتعبير عن ذاته”.

أياً كانت الإعاقة التي يشكو المرء منها، سواءً جسديّة أو نفسيّة، يبقى الأمل كبيراً في أن يَحمل هذا العيد مسحة أملٍ لمن عجزت قلوبُهم عن إلتماس الفرح

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل