في خضم الصراعات والنزاعات والتقلبات والكوارث والمحن والشدائد، وفي أوقات اليأس والحزن والمرارة والتخلي، وفي وِحشة الليالي السوداء الظالمة والمُظلمة، يبقى نورك المشع يُضيء حياتنا ويمحو اليأس من قلوبنا والشر من عقولنا، يهدينا الى طريق الحق والحياة، بقوة روحك القدوس الذي أرسلته لنا، لتبقى من خلاله معنا حتى انقضاء الدهر.
أيها الإله الذي تجسد من أجلنا بدافع الحب العظيم الذي أحببتنا إياه، كم تواضعت لتسكن هذا الجسد الفاني، فعشت بيننا كواحد منا، تألمت وتعذبت مثلنا، وتحملت آلام العذاب والصلب، ومت لتفدينا بدمائك الذكية المقدسة.
أيها الإله الذي قاد شعبه على مدى مئات السنين في عزّ الويلات والتحولات التي مرّ بها في العهد القديم، والذي ملأ الدنيا بوهج نوره وقد استهوى محبته في العهد الجديد، لقد قطعت وعداً لنا بأنك لن تتركنا بمواجهة قوى الشر والظلام، ونحن نؤمن ونُدرك في أعماق قلوبنا، بأنك تخطو معنا خطواتنا على طريق هذه الأرض الفانية، وتُمسك بيد كل واحد منا، لتعبر بنا الى الحياة الأبدية، إليك.
تأتي ذكرى ميلادك هذه السنة والحروب تفتك بدول كثيرة، مُخلفة آلاف القتلى والجرحى والمعاقين والدمار والخراب. فالكراهية والحقد يملآن القلوب، والكفر والشر يسيطران على العقول، وغرائز قايين لم تفن وتُدفن معه، فتوارثتها الأجيال منذ بدء الخليقة حتى اليوم، فأصبح هذا القايين دائم الحضور في كل بيت ومؤسسة وشارع وقرية ومدينة في كل أقطار الأرض، وعلى مدى الساعات والأيام.
كما أن اخوة قايين لم يكتفوا بالقتل فقط، بل أصبحوا يتفننون فيه، بأبشع طرق التعذيب والتنكيل والذبح والتشويه. ومَن دعوتهم ليتركوا الأطفال يأتون اليك، لم يعد القتل بالأسلحة العادية يُشفي غليلهم، فلجأوا الى الأسلحة المُدمرة والفتاكة لخنق وتمزيق أجسادهم البريئة الصغيرة، بمشاهد أدمت قلوب الملايين من البشر.
الكوارث الطبيعية تزرع الرعب والمآسي أينما حلّت، زلازل وبراكين وفياضانات وعواصف وصقيع وأمراض وأوبئة وجوع وتشرد…
في كل عام منذ 2013 سنة، نحتفل بميلادك المجيد على أمل أن يأتي موعد مجيئك الثاني بمجد عظيم، لتُخلص البشرية من كل هذا الشر الذي يفتك بها. هذا المجيء الذي قلت عنه أنه لن يكون بعيداً، وفي كل مرة تكثر المصائب والويلات، يغلب الظن أنه أقترب.
لكننا نُدرك يا رب أن ألف عام في عينك كأمس الذي عبر. ونُدرك أيضاً أنك لا تتباطأ عن وعدك لنا، لكنك تتأنى علينا، لأنك لا تريد أن يهلك أناس كثيرون، بل أن يُقبِل الجميع الى التوبة. ولأن لا أحد يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة، ولأنه طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين، سنبقى دائماً، بعونك وشفاعة قدّيسيك، مُتيقظين ساهرين، ولمجيئك مُستعدين.
في ذكرى ميلادك المجيد ايها الاله الحي، نطلب منك، بل نتضرع اليك، أن يُضيء نورك الأزلي في قلوب وعقول كل خليقتك المُشرذمة التي تعاني الضياع والتضليل والجحود والتكفير وإنكار وجودك، جرّاء كثرة الأديان والمُعتقدات والبِدع والدجل والالحاد والشعوذة. فبدل أن تُشكل تلك المصائب والمآسي دافعاً قوياً للإتعاظ والعودة اليك والاقتراب منك، تراهم يعانقون الشر ليهيمن على البشرية في صراعه مع الخير، أي مع الله الحقيقي، الذي هو أنت. وأنت يا رب على كل شيء قدير.
نعلم يا ربّ أنك خلقتنا أحراراً وتتدخل في حياتنا بناءً لطلبنا، ولكن يا رب، أناس كثيرون ما زالوا لا يعرفوك، وإذا عرفوك لا يفهموك، ومنهم مَن يعبدون الهاً يدعونه الله، قاسياً غاضباً قهاراً منتقماً متكبراً، وغيرهم ما زالوا يعبدون الأصنام والكواكب والحيوانات.
المسهم يا رب بلمسة عاطفتك الأبوية، وأرهم الطريق الصحيح الى الحياة الأبدية، ليعرفوا حقيقة أنك أنت الاله المحب الحنون، الوضيع والمتواضع، الغفور والمتسامح، الذي بذل نفسه فداءً للبشرية جمعاء، وله وحده الملك والقوة والمجد الى أبد الآبدين… آمين.
يسوع أنت الهي، حبّك شافِيَ الوحيد، أنت حبيب نفسي أبداً، يسوع… أنت مَن أُريد.
