بتلك الابتسامة الشاحبة والنظرة المتأملة، يستقبلك أطفال النازحين السوريين في عرسال الذين امتزجت براءة وجوههم بقسوة التهجير والحرمان، حتى باتت أحلامهم تُختزل ببطانية ومدفأة تقيهم برد الشتاء ولقمة خبز تسدّد جوعهم وحرية اعتادوا أن يسمعوها دون أن يختبروها.
واقع مرير تعيشه نحو 13500 عائلة سورية في عرسال ومأساة إنسانية تتبدّى على حال اللاجئين الذين تهافتوا لاستلام مدافئ وبطانيات، علّها تردع صقيع الثلوج وبرودة الخيم عن أطفال رضّع ونساء حوامل ومسنين لا زالوا يتكبدون معاناة إضافية، بعد أن ذاقوا هول القصف وبطش الاستبداد.
“شو جابرك عالمرّ الأمرّ”، عبارة يردّدها النازحون في مناشدتهم المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية نجدة أولئك الذين لم “يحظوا” بخيمة داخل المخيمات، فاضطرّوا أن يقطنوا الأقبية والمرائب وحتى “قنّ الدجاج” من دون أن يلحظهم أي دعم يعزز صمودهم لحين انبلاج فجر الحرية والعودة إلى الديار.
1180 مدفأة و1000 بطانية، وزّعتها “لجنة عاليه للإغاثة” على النازحين في عرسال والفاكهة، مقدّمة من رجال أعمال سعوديين عن أرواح سبعة من أمواتهم هم: ناصر هزاع السبيعي، هزاع ناصر السبيعي، سالم هزاع السبيعي، عبدالله الدبل، عبد الرّحمن الدبل، هزاع ناصر السبيعي ومحمد الأنصاري، إلى جانب سجادات مقدّمة من السيدة نورا وليد جنبلاط لغرف الأطفال في مدارس عرسال.
فأحلام الأطفال شحادة وخالد ومصطفى ويحيى ورفاقهم بالدفء والعِلم واللعب، يلاقيها رجاء آمنة وروعة وغيرهما من الأمّهات اللواتي فقدن الأزواج أو الإخوة والأبناء في معركة الحرية، واللواتي لا زلن يختبرن معاناة مفتوحة مع الجوع والمرض والقهر على مستقبل مجهول يلفّه البؤس والظلم.
مبارك المبارك، أبو محمد يروي مأساته، فهو يعيش في قبو مع أولاده وأحفاده، الذين بينهم من هو من ذوي الاحتياجات ومن هو رضيع، “حالتنا بائسة والله لا يذوّق الكأس لأحد”.
وفي المقلب الآخر تجد أم عمر التي طارت خيمتها من جراء العاصفة، زوجها عاجز ومفقود في الشام، وليس بيدها القول سوى “الله يفرجها”، وكذلك حال أم خالد التي تتحسر على وضعها ووضع أبنائها، “فنحن ميّتون من الجوع. زوجي شهيد وأولادي يعانون من تبول لا إرادي ونسكن في مرأب بالكاد يسعنا”.
أما توفيق صدّيق فيشرح معاناة النازحين خارج المخيمات ومعاناة من شطبتهم مفوضية شؤون اللاجئين، ويختزل الواقع بالقول “نحن بتنا لا شغلة ولا عملي، نعمل في تعزيل مياه الأمطار التي تطوف في خيمنا، وإذا كان أبناء عرسال لا يجدون عملا فكيف الحال بنا؟!”.
وبحسرة يكتفي الطفل أحمد بالقول “ما بدنا شي، بدنا يسقط بشار ونرجع عبلادنا”، ويردد خلفه رفيقه رامز تعبير “حرية والله وبس”، على وقع ابتسامة محمد، الأربعيني الذي اقتلعت “أشاوس” النظام عينيه لتحرمه نظره دون أن تتمكن من قمع توقه إلى الحرية.
وفي حديث لـ”المستقبل” لفتت رئيسة “لجنة عاليه للإغاثة” السيدة سلمى أكرم شهيب خلال جولتها في المخيم، إلى “أننا لمسنا منذ وصولنا أن وجع الناس واحد ووجع التهجير كبير، وهو يتزايد مع الأيام القاسية التي يعيشونها”.
وقالت: “نحن هنا بمبادرة كريمة من أصحاب أياد بيضاء سعوديين ومن السيدة نورا جنبلاط، ونتمنّى أن تساهم هذه الخطوة في تخفيف ألم طفل أو امرأة أو عائلة من العائلات النازحة. إنّه عمل إنساني وواجب وطني”.
وإذ شكرت شهيب “كل من ساهم مادياً ومعنوياً في هذه المبادرة ليقف إلى جانب هذه العائلات التي تركت بيوتها وقراها نتيجة ظلم وبطش حكامها”، لفتت إلى أن “الحاجات كبيرة وهي تتعدى المخيم إلى نازحين يعيشون في الإيجار أو الكاراجات، وحالتهم تعيسة”.
وتمنّت أن “تنظّم حملات ثانية تلحظ الاحتياجات الأساسية للنازحين”، مؤكدة أن “ما من شدّة تدوم وما من ظلم يستمر، فالمطلوب من اللاجئين الحفاظ على قوّة معنوياتهم، على أمل أن يعودوا إلى بيوتهم وأرضهم”.
وكانت”لجنة عاليه للإغاثة” شكرت “الأخوة أصحاب الأيادي البيضاء في المملكة العربية السعودية لتقديمهم هذه المساعدات عن أرواح المرحومين، وكذلك السيد مازن السعيد على دعمه”.
وكشف نائب رئيس بلدية عرسال أحمد الفليطي أن “عرسال باتت تضم 13500 عائلة سورية لغاية اليوم، بمعدل دخول 20 عائلة جديدة يوميا. وإذ كان من المفروض أن ترتفع الكثافة السكانية في بلدتنا إلى مئة ألف نسمة بعد 30 أو 40 سنة، نرى أنها بلغت هذا الرقم خلال سنة واحدة بفعل تدفق اللاجئين، ما شكّل ضغطاً على الصرف الصحي والكهرباء والمياه والسير. لذا، أهمية دعم المجتمع المحلي الذي احتضن النازحين انطلاقاً من دعمه للثورة وتأييده لها، على أمل أن تنتهي أزمتهم ويعودوا إلى بلادهم”.
وإذ أشاد بالمساعدات المقدّمة، أكد أن “الحاجة الأساسية والحل الوحيد هو بإيجاد المأوى. فلقد آن الأوان للحكومة اللبنانية أن تسمح بمخيمات شرعية بعيدة عن البلدة وعن الحدود، لأن الضغط لم يعد من طاقة عرسال ولا مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولأن المخيم الشرعي الوحيد المتواجدين فيه اليوم لا يسدّ سوى حاجة 70 عائلة، فماذا عن المخيمات السبعة غير الشرعية المنتشرة في البلدة وعن اللاجئين خارج المخيمات؟”.
وشدّد الفليطي على أن “الحكومة مجبورة على التعامل مع “مخيمات الأمر الواقع”، فالأفضل أن ترعاهم بطريقة منظمة، تفادياً للفوضى. كما أننا نعمل على إعادة 40 في المئة من العائلات السورية التي شطبتها مفوضية شؤون اللاجئين”.