#adsense

الأسد يُفخِّخ «جنيف 2» ويَستدرج الخصوم إليه!

حجم الخط

مصير الشَّرق الأوسط كلُّه مرهون بمصير سوريا. منها تبدأ التسويات، أو يبدأ التقسيم أو التفتيت، أو تنطلق الحروب المذهبية والعرقية. فإلى أين تتَّجه سوريا في العام الثالث من الحرب؟

يقول الرئيس بشّار الأسد إنّ الظروف لم تنضج لمؤتمر “جنيف 2”. وهذا يعني أنّه ينتظر نضوج ظروف تُناسبه. فهو لن يُفرِج عن المؤتمر إلّا إذا كان سيضمَن سيطرته على سوريا، أو على الأقلّ، سيُساهم في إسقاط المعارضة.

هناك نقاط يريد الأسد تسجيلها عسكرياً وسياسياً قبل المفاوضات. فإذا نجح في ذلك، بات انتصاره مضموناً في جنيف. لكنَّ الأسد يتلقّى نصيحة من الحليف الروسي بالذهاب سريعاً إلى جنيف، ما يُحقّق ثلاثة أهداف معاً:

1 – إنّ المبادرة إلى الحوار تمنح الأسد شهادة حسن سلوك دولية يحتاج إليها هو وحليفه الروسي الذي أخذ على عاتقه تسويق التسويات حتى اليوم، ولا سيّما تسوية الكيماوي السوري والنووي الإيراني. ومن هنا التصريح “المستغرب” الذي أدلى به نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف، والذي ينتقد إصرار الأسد على البقاء في السلطة. فالروس متطرّفون في دعم الأسد، لكنّهم لن يُحرقوا صورتهم كوسيط نزيه وشريك للأميركيّين.

2 – إنّ حوار جنيف يُسدّد ضربة قاضية للمعارضة السورية. فهي ستزداد تشرذماً، وسيبرز الإسلاميّون كفريق قوي. وهذا ما سيثير الغربيّين الذين بدأوا “يعاقبون” المعارضة ويقطعون عنها الإمدادات، بسبب تنامي التيارات التكفيرية فيها وسيطرتها على مناطق واسعة. كما أنّ النظام نفسه يلعب ورقة الشرذمة بين القوى المعارضة عندما يقول: “مستعدّون لمحاورة المعارضة الوطنية البنّاءة، لا تلك المدعومة من قوى تآمرية خارجية”. وهو يعني طبعاً، أنّه مستعدّ لمحاورة القوى التي لا تريد إزاحته من السلطة دون سواها.

3 – يريد الروس أن تؤدّي التسوية في جنيف إلى تثبيت سلطة الأسد على كامل سوريا، بمباركة دولية شاملة. وهذا يضمن لهم عدم التقسيم. فموسكو تخشى كثيراً تفتّت المنطقة على أسُس مذهبية وطائفية وعرقية، لأنّ ذلك ينعكس سلباً على التركيبة المعقّدة للاتّحاد الروسي والدول التي كانت جزءاً من الإتحاد السوفياتي السابق. والأزمة في الشيشان واحدة من التحدّيات الروسية الخطرة.

والأرجح أنّ الأسد سيستمع إلى نصيحة موسكو، وسيذهب إلى “جنيف 2″، ولكن ليس بحثاً عن تسوية حقيقية، بل لإضاعة الوقت ومحاولة تحقيق الأهداف الثلاثة التي يستفيد منها.

لكنّ أجنحة في المعارضة السوريّة تتوجَّس من هذا المنحى في جنيف، وهي لا تبدو متحمّسة للمشاركة فيه إذا كان سينتهي بتكريس سلطة الأسد. فما عجِزَ النظام عن تحقيقه عسكريّاً سينجح في تحقيقه سياسياً وتحت غطاء دوليّ. كما أنَّ حجم الإشكالات داخل المعارضة سيجعلها الحلقة الأضعف في المؤتمر. والنظام بارع عادةً في لعب ورقة الشرذمة داخل صفّ الخصوم.

في المقابل، ثمّة مَن يعتقد أنَّ الوضع في سوريا أكثر تعقيداً. فما يجري هناك منذ ثلاث سنوات ليس سوى بداية لنزاع سيستمرّ لسنوات طويلة ويمتدّ إلى دول أخرى، وسينتهي إلى تكريس وقائع جيوسياسية جديدة. وهذا ما يريده الإسرائيليّون الذين ينتظرون إنضاج الظروف لحلّ يمحو نهائيّاً قضية فلسطين والفلسطينيين في الداخل والشتات، ويُغرق الشعوب العربية في نزاعات دموية طويلة تستنزفها وتمتصّ مواردها، تحت الأرض وفوقها. ولبنان والعراق نموذجان سابقان.

ووفق هذه القراءة، فإنّ أحداً لن يستطيع السيطرة على سوريا بالكامل وإعادة توحيدها. ففي مراحل معينة كانت الدفّة تميل عسكريّاً إلى المعارضة، لكنّ عوامل مفاجئة دخلت على الخط ومنعت إنتصارها. واليوم، تميل الدفّة إلى الأسد، لكنّه ربّما ممنوع من الانتصار.

وسنة 2014، ستتّضح الإتجاهات في سوريا، وتالياً في الشرق الأوسط، بدءاً من لبنان والهلال الخصيب إلى الخليج العربي وشمال أفريقيا. لكنّ عودة سوريا إلى ما كانت عليه قبل آذار 2011 باتَت موضع شك. والمؤكّد أيضاً أنّ هناك دماءً ستتدفّق في الدول العربية التي تعتبر نفسها منكوبة، أكثر بكثير من النفط المتدفّق في الدول العربية التي تَعتبر نفسها محظوظة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل