“المستقبل”: بدء المحاكمة…انتهاء زمن الإفلات من العقاب

كتبت ثريا شاهين في صحيفة “المستقبل”:

من المتوقع أن يتسلم لبنان رسمياً من المحكمة الخاصة به في وقت قريب، طلباً من أجل تسديد حصّته في موازنة المحكمة لسنتها المقبلة 2014، والتي تبدأ في الأول من آذار، ويساهم لبنان بـ49 في المئة من هذه الموازنة.

إلاّ أنّ بدء المحاكمة في 16 كانون الثاني المقبل يُعدّ مسألة جوهرية، وهي كانت منتظرة منذ اللحظة الأولى لإنشاء المحكمة في مسار بدأ عمره منذ عام 2005، واستمر لنحو ثماني سنوات، على الرغم من كل الصعوبات، ومحاولات التشكيك في صدقيّة المحكمة وجدّيتها، فضلاً عن العقبات ذات الصلة بدرجات التعاون معها.

العملية القضائية عبر مسار المحكمة، ولو اتخذت وقتاً طويلاً، إنّما هي في طور استكمال مسارها والوصول إلى النتائج بعيداً عن التسييس. فهي تعبّر عن إحقاق الحق والعدالة، وفقاً لمصادر ديبلوماسية بارزة مطلعة على العلاقات اللبنانية الدولية. ومهمّة المحكمة تنقسم إلى اثنين: الكشف عن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والمساهمة في تحقيق المصالحة الوطنية.

ومما لا شك فيه أنّ المحكمة استطاعت أن تشكّل عامل ردع للاغتيال كوسيلة في العمل السياسي في لبنان، وإلاّ لماذا حصل عجز عن تسليم المتهمين؟ ولماذا كلما كان هناك استحقاق لتمويل حصّة لبنان في موازنتها كان ولا يزال يحصل إرباك سياسي كبير؟ لأنّ ذلك هو استحقاق كبير. وعلى الرغم من أنّ التمويل لم يعد مشكلة وسيجري تمويلها السنة المقبلة وفق تفاهم على غرار السنوات التي مضت، إلاّ أنّ التمويل يتم حالياً من الموازنة لا سيما وأنّ المحكمة مسار قضائي قائم وعلى لبنان التزامات مالية وقضائية نتيجة مذكرات التعاون معها.

والمحكمة ساهمت في وضع حدّ للإفلات من العقاب وإنهاء هذه المرحلة، بحسب المصادر، وأنّ اتخاذ الحيطة والحذر من جانب شخصيات لبنانية عديدة لا يعني حكماً معاودة الاغتيال. لكن التهديدات فعلاً تشكّل ترهيباً بالعودة إلى الاغتيالات ما يشلّ العمل السياسي، والأزمة السياسية تعرقل العمل السياسي، والترهيب بالاغتيال أدّى بدوره إلى عرقلة هذا العمل، وفضلاً عن إرساء المصالحة، من أدوار المحكمة، التعلم من أخطاء الماضي واعتقال المجرمين من دون الأخذ بالثأر.

ويذكر أنّه حصلت محاولات اغتيال عدّة منها نجح مثل جريمة اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، ومنها لم ينجح مثل محاولتَي اغتيال رئيس حزب “القوّات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، والنائب بطرس حرب. والأرجح أن تكون الجهة ذاتها هي التي تحاول الاغتيال، فضلاً عن الشخصيات التي تتحوّط من الاغتيال.

ويبقى الرهان على مرحلة المحاكمة، حيث أنّه في اطارها أي تسلّم للمتهمين يشكّل قوّة ردع لدى المحكمة، والعدالة تبقى أفضل من عدم وجودها. في كل العالم المحاكم لم توقف الجرائم، وشكّل التوافق السياسي مرّات عديدة مجالاً لحلّ نتائج الجرائم. في كل الأحوال المحاكمات تخفّف الجرائم، والغرب بدأ يدرك أنّ الجرائم ليست طريقة للتعامل السياسي، وهناك طرق أخرى يتم النزاع من خلالها. على المدى الطويل، أن توقف الجرائم من جراء المحاكمات مرتبط بظروف متنوّعة.

بدء المحاكمة مفصلي، لأنّه ينقل الموضوع من مرحلة الضغط السياسي لإنشائها إلى البدء بعملها والإصرار على الحشد الدولي لهذا العمل الذي لا رجوع عنه. فهناك مساهمات طوعية دولية تشكّل 51 في المئة من الموازنة السنوية للمحكمة. إنّه عمل دولي في أجواء اقتصادية صعبة لترجمة التزام سياسي بهدف الكشف عن الحقيقة. ومن الممنوع تسييس المسار القضائي للمحكمة، واتخاذ المحاكمة مسارها الطبيعي يعني تقديم أدلّة المدّعي العام، وتقديم الدفاع من وكلاء الدفاع. الادانة هي مسؤولية المدّعي العام، والبراءة تقع مسؤوليتها على الدفاع. إمّا تثبت المحكمة الاتهام، أو تبرّئ المتهمين، وفي حال ثبتت الادانة يصدر حكم بالعقوبة.

وتفيد المصادر انّه في رمزية المحكمة وبدء المحاكمة، ان مبدأ الإفلات من العقاب لم يعد مكرّساً كجزء من العملية السياسية في لبنان والشرق الأوسط في مرحلة تغيير في العالم العربي. وأي تغيير يحتاج إلى أن تكون السلطات القضائية حيث التغيير فاعلة، وهذا هو التوجّه الدولي في المرحلة اللاحقة بالنسبة إلى المنطقة. من هنا أهمية تجربة المحكمة الخاصة بلبنان، وتعزيز القدرات القضائية يتكثف في العالم، لأنّ السلطة القضائية باتت رادعاً لأي سلوك سيئ من أي مسؤول.

قبل مقتل الرئيس الليبي معمر القذافي طُلبت إحالته على المحكمة الجنائية الدولية لأنّه ارتكب جرائم حرب، ولن يكون الأمر حكراً على دول عربية افريقية، إنّما سيتوسّع حين تتطابق الحالة مع تلك القضايا التي تحال إلى الجنائية. منذ بدء الثورة في سوريا بدأت الجرائم ضدّ الإنسانية وفق المصادر. وعندما يتم تحويل هذه الجرائم من وطنية إلى المحكمة الجنائية يمكن للأخيرة مقاضاة حتى المسؤولين الكبار، لأنّهم يفقدون الحصانات والامتيازات لدى احالتهم على هذه المحكمة، وبالتالي أي سوء استعمال للسلطة يدفع ثمنه صاحبها.

بدء المحاكمة يعني الاقتراب من العدالة. المسار يصل إلى خواتيمه. وهي لا تستهدف فئة أو طائفة إنّما تستهدف مرتكبي الجرائم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل