ليس لأنّ الشهيد محمّد شطح أهمّ أو أرقى مرتبةً من رفاقه شهداء “ثورة الأرز” الذين سبقوه، سيكون لاستشهاده أثر بليغ في الوضع السياسي اللبناني . فشهداء انتفاضة الاستقلال الثاني هم من الطينة الوطنيّة الصافية نفسها، ومن أهل الرسالة الواحدة لبناء دولة الحق والسيادة.
لكنّ استشهاد من سبقوه كان في مرحلة صعود القاتل وتقدّم مشروعه واستشراس قيادته، بينما يأتي اغتياله في مرحلة الهبوط والسقوط، والمساومة على ثمنه.
صحيح أنّ المجرم يصبح أشدّ أذى وإيلاماً في لحظة حشرته وتراجعه وضعفه، ويحاول تحويل خسارته إلى انتقام أعمى وخبط عشواء، وهذا ما يمكن توقّعه من النظام السوري وملحقيه في لبنان خلال المرحلة المزدوجة التي تسبق بدء المحكمة ومؤتمر “جنيف 2 “.
هذا لا يعني أنّ اختيار القاتل للوزير شطح كان مجرّد صدفة، أو لممارسة القتل كهواية أو للترهيب فقط.
لقد درس القاتل هدفه بدقّة، واختاره بعناية من بين الأسماء الأكثر عقلانيّة وهدوءاً واعتدالاً. ما يؤكّد أنّه يبحث عمّا يساعده في الخروج من مأزقه، عبر خطّة لإضعاف الاعتدال وتقوية التطرّف. هذا ما فعله نظام الأسد في سوريّا، ونجح نسبيّاً فيه، وما يدأب على تكراره في لبنان عبر أدواته.
إنّ مسألة استهداف الطليعة المعتدلة المحاورة المنفتحة من السنّة، باتت شديدة الوضوح، وبات تواطؤ القاتل مع المتطرّفين بتسريب المال والسلاح إليهم مكشوفاً جدّاً. ولم يعُدْ الحديث عن تحالف طرفَيْ التكفير ضرباً من الخيال.
مثلاً، في اغتيال شطح، بماذا يمكن أن يجيب مسؤول في “8 آذار” عن هويّة الجهة القاتلة؟
ينفي فوراً علاقتهم وعلاقة النظام السوري وإيران، ويذهب إلى أحد احتمالَيْن، (إذا قبل استبعاد فرضيّة الانتحار) : إمّا إسرائيل، وهذا لا يناسبه كثيراً بعدما تمادى في تخوين “14 آذار” ووصمها بالعمالة، وإمّا إلى يافطته الجديدة، “التكفيريّين”. وبالتأكيد سيستسهل الاتهام الأخير الذي جهّزه، منذ مدّة، لاستخدامه كغطاء أو تبرير أو لباس لكلّ ارتكاباته.
ولكنّ اتهام “التكفيريّين” باغتيال الشهيد شطح يرتدّ على القائلين به، لأنّه يجعلهم حلفاء موضوعيّين للقتلة، فالطرفان يستهدفان “العدوّ” المعتدل نفسه، وقد تمادى “حزب الله” في تكفير تيّار “المستقبل” و”14 آذار” منذ سنوات، وفي حال طرأ تكفير جديد يستهدفهما فإنّه يكمّل ما سبقه، ويكون التكفير واحداً بجناحيه الشيعي والسنّي، وبكون هناك حلف موضوعي بينهما.
لذلك، يبدو”حزب الله” والنظام في حال ارتباك تجاه توجيه التهمة للجهة التي اغتالت محمّد شطح، ولعلّ المخرج الوحيد هو في كلام إنشائي عام، وردح تقليدي عن التضامن و”انتظار التحقيق”!
وهكذا، يشكّل اغتيال الشهيد الجديد نهاية للعبة “العدوّ الإسرائيلي”، ولعبة تهريب القاتل وتمويهه، ولعبة تحميل الشهيد مسؤوليّة دمه، ولعبة حماية القاتل وتقديسه، ولعبة القتل والسير في جنازة الضحيّة.
كانت هذه اللعبة المركّبة تخدع البسطاء وتُرضي المتواطئين، لكنّها لم تنطلِ يوماً على النبهاء وأهل الشهداء، ومالكي الأدلّة والقرائن وقواعد الإثبات.
فبعد هذا الاغتيال، هناك اتجاه آخر وتعامل آخر. ف”14 آذار” إلى مزيد من الصلابة، ورئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف إلى مزيد من الحزم، والمحكمة الدوليّة إلى الشروع في محاكمة المجرمين، ولبنان إلى مزيد من إدراك أزمته وتدارك انزلاقه في وحول سوريّا وإنقاذ جمهوريّته من مؤامرة الفراغ.
أمّا فريق القتل والاغتيالات، فإلى عريه التام من آخر ما يستر عوراته.
وللمرّة الأولى ربّما، يشعر اللبنانيّون أنّ القتيل أقوى من القاتل.. وأبقى.
