إعرَف عَدوَّك في اغتيال محمّد شَطَح

لست هنا في موضع رِثاء، فزمن البَكّائّين ولّى. محمّد شَطَح عاش بريئاً وقَضى بريئاً، وهو إبن الحضارة والفَرح، الخارج من رَحِم الثقافة المُمَنهَجَة، المُتَماهي مع نِظام العَقلانيّة، المؤمن بسلطة الحريّة، المُبتَعِد في مَدى الإعتدال. هذا النقيّ في وطنيّته، فِكراً ومُمارَسَة، هو اليوم الأكثر بُؤساً في العالم، فقَفزَةُ التَّنوير التي حَرَّرت مَفاهيم العقل من مُعَوِّقاتها، لم تستطعْ أن تَغزوَ عصر الظّلمات في مجتمع ما قبل الدولة عندنا.

قتلوا محمد شطح، اولئك المُستَهتِرون بالقِيَم والعابِثون بمَصائر العِباد، لا ليقتلوا محمد شطح بل ليُزهِقوا مَشروعَه في الوطن. وكلّما تَعَرَّفنا الى هذا المَشروع الطَّرح، كلّما اقتربنا من تحديد هويّة القَتَلَة، وبالتالي لن يكون الإتّهام في هذا المَجال سياسياً.

أمام تَهالُك مفهوم السّلطة في لبنان، وأمام تَوَزُّع الولاء ولاءات، ما يُنذِر بعودة الوطن الى زمن العبوديّة والتَّخَلُّف، كان لمحمّد شطح، وهو السياسيّ العَصريّ، آليّة نُهوض من مَداميكها الحياد ونَأي الدولة عن النِّزاعات، ولا سيّما الإقليميّة منها، لتجنيب الوطن احتمالات سلبيّة ناجِمة عن الصِّراع المُسَلَّح. وهذا يعني التَّوافق على نظامٍ قانونيّ يُبعد شبح الحرب ويجعل الوطن واحَة سلام تسعى الى التَّقدُّم. هذا الطَّرح يعني تماماً التَّعاون لإيجاد حلول للازمات من خلال القوانين الدّوليّة، لا بل السعي الجديّ للبحث عن مبادرات لِتَعزيز السّلام وتَخفيف التوتُّر. ان هذا الحياد يحصَن لبنان خارجيا , وينعكس في الداخل استقراراً يدعم التوازن ويحفظ العيش المشترك ويمنع التدخلات والأعتداءات, ويضع حداً لميل الأفرقاء الى الأستعانة بالخارج لتعزيز وضعهم الداخلي. فتكون المنافسة بينهم محصورة في المجال التنموي البحت, ما يجعل المواطن يستعيد الثقة بوطنه مجالاً رحباً آمناً لتحقيق ذاته والمستقبل.

ومن مداميك مشروعه أيضاً الإلتزام بالثّوابت الوطنيّة، ولا سيّما مفهوم المواطنة الذي يستند دائماً الى مَبدَأَي الإنتماء والولاء، ما يستتبع حُكماً التَّشَبُّث بالسيادة الوطنيّة وحريّة تقرير المَصير. وما يدعم هذين المبدأين الدفاع عن الحريّة وتأمين العدالة من خلال المشاركة السياسية وتداول السلطة بوعي، فإيصال فريق واحد الى الحكم ليس خَياراً أبدياً ، بل ينبغي العودة الى رغبة الغالبيّة لأنّ احترام هذه الرّغبة تجسيد لمبدأ الديمقراطيّة، وبهذا فقط يوضع مشروع الدولة على نارٍ جديّة.

ان النظام الديمقراطي الذي يدافع عنه محمد شطح هو المساحة الوحيدة التي يمكن لمؤسسات المجتمع ان تمارس الحق في تأسيس مواطن واع لا يتنازل عن مثله, ما يستدعي نقلة نوعية لجهة المستوى الذي يجب ان يتمتع به المشتغلون بالسياسة, فلا نعود نواجه طغاة أو عشاق سلطة متخلفين, بل طبقة راقية تنشئ دولة تتكلم وتعقل باسم الشعب.

إن الذين قتلوا محمد شطح هم الذين أظهروا بالمُمارسة عدائيَّتَهم للحياد وللديمقراطيّة السّليمة ولمشروع قيام الدولة. هم الذين عملوا بوصايتهم على نَشل الدولة منذ عقود، وأدخلوا البلد في تَشابُكيّة السّياق الإقليميّ بكلّ تعقيداته، هم الذين سَبَوا الكيان والهويّة وهزّوا صورة المؤسّسات، وفرضوا استعماراً جديداً بِفَرطٍ من الظّلم.

وبعد، لم يُقتَل محمد شطح على يَد عساكر السّماء .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل