|
|
||||||
كل الروايات والقراءات الأمنية قابلة للنقاش، لكن ثمّة أسئلة كبيرة بدأت تطرح نفسها منذ اللحظات الأولى لإعلان هوية الشخصية المستهدفة في إنفجار ستاركو: لماذا إغتيال محمد شطح في وسط بيروت وفي منطقة تعتبر الى حدّ ما واقعة تحت المجهر الأمني وفي مرصد مئات كاميرات المراقبة المزروعة على أسطح وشرفات الفنادق والمؤسسات التجارية والمباني المحيطة بموقع الإنفجار وتحت أعين الأجهزة الأمنية؟. أي إرهابي ذاك الذي يملك الجرأة والخبرة والقدرة على إختراق كل هذه المحظورات وينفذ جريمته بدمٍ بارد؟. كيف إستطاع رصد الطريق التي سلكها الشهيد من منزله في شارع بلس الى وسط العاصمة؟. كيف عرف أن الشهيد سيمر بهذه المنطقة وهو في طريقه الى بيت الوسط فكمن له بسيارة مفخخة ونفذ عمليته بنجاح وإتقان؟.
المنطق يقول إن للجريمة بعدين أمنيين، الأول أن كثراً هم الذين يعرفون أن الشهيد يتنقل بحرية من دون مواكبة أمنية أو إجراءات وقائية، وربما كان يعتقد نفسه أنه خارج الاستهداف، وهو صيد سهل لمن يتربص به شراً، وهذا ما سهّل على القتلة تنفيذ جريمتهم بهدوء وبدقة متناهية، أما في البعد الثاني، فثمة من يطرح علامات إستفهام حول المنطقة التي اختيرت مسرحاً لتنفيذ الجريمة، وهي التي اغتيل فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما. لكن وبغض النظر عن أن شطح هو واحد من عشرات لا بل مئات الشخصيات السياسية في تيار “المستقبل” وقوى 14 آذار الموضوعة على لائحة الإغتيال، فإن هناك ما يثير شكوكاً من أن يكون تفجير بهذا الكمّ من المتفجرات وهذا النوع من الإتقان معدّاً لاستهداف أكثر من شخصية، وربما كان المقصود تصفية شطح مع شخصيات أخرى كان الجناة يعتقدون أنهم سيمرون في موكب واحد. كما أن كمية المتفجرات لم تكن وجهة إستعمالها تقتصر على الوزير شطح بمفرده، إنما كانت معدة لضرب موكب يتخذ إحتياطات أمنية كبرى وتسير فيه سيارات مصفحة، ليكون قادراً على تدميره.
إذا ما تركت القراءات الأمنية جانباً بانتظار جلاء بعض الخيوط والملابسات التي تحيط بهذه الجريمة، فإن هناك الكثير من الأسباب والخلفيات السياسية، تطرح بدورها جملة من الأسئلة، سيما وأن الجريمة وقعت عند نقطة تقاطع للكثير من الأحداث الداخلية والإقليمية وحتى الدولية. فهي بداية تقع في لحظة صراع سياسي بالغ الدقة والخطورة محوره قطع الطريق على تشكيل حكومة جديدة، وما يترافق مع تهديدات بإدخال لبنان في نفق الفوضى العارمة، والتلويح بتعميم الفراغ على المؤسسات الدستورية وإبقاء مركز رئاسة الجمهورية شاغراً. أما إقليمياً فإن الجريمة وقعت ضمن الحريق السوري الذي يصرّ نظام بشار الأسد على تصديره الى لبنان ومنه الى المنطقة ككل، بفعل عجزه عن إستعادة أي بقعة جغرافية تحررها المعارضة السورية، والإستعاضة عنها بدكّ المناطق السكنية المأهولة بالمدنيين بالبراميل المتفجرة. أما في التقاطع الدولي فإن العلامة الفارقة في جريمة بهذه البشاعة تأتي على بعد أسبوعين تقريباً من بدء المحكمة الدولية أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بجريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والمقصود منها أن المحاكمة الدولية لن توقف مسلسل الإغتيال ولن تحدّ من الجريمة السياسية، وهو ما يضعه تيار “المستقبل” وفريق 14 آذار في أولوية أهدافه ويعمل على تحقيقه من خلال العدالة الدولية.
هذه القراءات كلّها تدفع الكثيرين الى السؤال: لماذا اغتيال محمد شطح، هذه الشخصية الدبلوماسية الهادئة والمتزنة؟. لماذا اختيار رجل يتصف بالاعتدال والحوار وصاحب القدرة الهائلة على التواصل ومحاورة حتى ألدّ أخصامه؟. لماذا وقع الخيار على رجل يمكن أن يكون في كل مرحلة وبدبلوماسيته المعهودة مفتاح التلاقي والحوار مع الطرف الآخر؟.
الجواب المنطقي على هذا الكمّ من الأسئلة هو أن اغتيال شطح ليس فقط رسالة أمنية كبيرة الى الرئيس سعد الحريري وتيار “المستقبل” وكل فريق 14 آذار. وليس رسالة دموية الى لبنان الدولة والمؤسسات والى رئيس الجمهورية ميشال سليمان وكل من هو صاحب موقف حرّ وإرادة وطنية من أجل إخراج لبنان من حالة الفوضى، إنما هو حلقة في مخطط كبير وخطير جداً ينفذ ضد لبنان والمنطقة، والذي يهدف الى اغتيال الاعتدال في لبنان وهدم كل جسور التلاقي وقطع كل خيوط الحوار والتواصل، وإخلاء الساحة اللبنانية ليس من شخصية معتدلة ومنفتحة وحوارية مثل شطح، إنما من تيار سياسي واسع وعريض يمثل الاعتدال الحقيقي في لبنان، وهذا إذا ما تحقق من خلال عودة مسلسل الاغتيالات والتصفيات الجسدية، فإنه يشرّع الساحة اللبنانية للتطرف، على إعتبار ان في لبنان قوى متطرفة تمسك البلد أمنياً، لا تستطيع أن تعيش مع الاعتدال تحت سقف واحد، لذلك هي تهيئ الأرضية لدخول تطرف آخر يعطيها الذريعة للبقاء والاستمرار في نهجها الدموي سواء في الداخل او الخارج، وعندها يعيش تطرفان تحت خيمة واحدة. تحت هذا العنوان يمكن فهم أبعاد عودة الاغتيال وفهم أبعاد اغتيال الشهيد محمد شطح أمس.