سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة –
سنة سوريا في لبنان و”حزب الله” في سوريا: أطاحت النأي وجرَّت البلاد إلى الحرب
بين التصريف والتكليف فراغ دامٍ ينتظر تسوية تنقذ الرئاسة والحكومة
معادلة بسيطة وإنما معبرة يمكن أن تشكل خلاصة سنة مثقلة بالفراغ والفوضى وغياب الأفق وغموض المستقبل. إنها بكل بساطة، سنة سوريا في لبنان، وسنة “حزب الله” في سوريا.
هي معادلة اختصرت الحياة السياسية في لبنان بما أنها شكلت الخبز اليومي الذي يقتات منه السياسيون على ضفتي الصراع، بحيث تمرّس كل فريق وراء راعيه الإقليمي وضبط ساعته على عقارب الساعة السورية . فريق حاكم يثمل على ايقاع نصر ينتظره ويعمل من أجله من وراء الحدود، وآخر يتمسك بالصبر والتماسك مترقبا سقوطاً مدوياً لنظام يستمد قوته من ضعف معارضيه وتشتتهم، ومن سقوط ثورتهم في فخ التطرف والإرهاب.
انقضت سنة ٢٠١٣ والبلاد تنوء تحت ثقل التداعيات السلبية والخطيرة لإمتداد النار السورية في الهشيم اللبناني، وانخراط “حزب الله” العلني والمكشوف في حربها حتى صارت حربه.
ولم تسلم الحياة اللبنانية من تلك النار، سياسيا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا، بعدما فجرت الحرب كارثة اجتماعية وإنسانية تمثلت بنزوح نحو مليون لإجىء سوري الى داخل الحدود اللبنانية.
توقفت الساعة السياسية عن الدوران لتغرق في الكواليس المحلية الضيقة، بعدما اختصر المشهد الداخلي باصطفاف حاد قل مثيله على ضفتي ٨ و١٤ آذار، أسقط ورقة التين التي وقفت وراءها الحكومة في انتهاجها سياسة “النأي بالنفس” حيال الازمة السورية قبل ان تسقط هي باستقالة رئيسها ضحية اولى على مذبح حرب “حزب الله” في شوارع سوريا ومدنها وقراها، وما عطل الاستحقاقات الدستورية وشل البلاد وأفرغ المؤسسات من دورها ومسؤولياتها واستباح اللبنانيين، واضعا حياتهم في دائرة الخطر الدائم، بعدما وقع لبنان في المحظور الامني وسار بإرادته نحو العرقنة التي نقلت الصراع السني الشيعي من الاقليم الى مستويات عالية جداً من الاحتقان المرشح للخروج عن السيطرة كل لحظة.
من معركة القصير الى معركة القلمون، مرورا بمعارك عبرا وطرابلس، وصولا الى عرسال، محطات أمنية ساخنة زرعت بصماتها الدامية في كل المناطق اللبنانية خطفا وقصفا وقنصا وتفجيرا، فطبعت الحركة السياسية في كل مراحل تطورها مدى الأشهر الإثني عشر الماضية.
وإذا كانت السنة المنصرمة رغم أثقالها، أطلت في بداياتها على عقد دستوري مكتمل يستعد لخوض الاستحقاقات، فإن أداء الأشهر الإثني عشر كان كفيلا بإطاحة انتخابات نيابية كانت مفترضة في حزيران الماضي، مستعيضة عنها بتمديد ارتضاه نواب الأمة ولايتهم لسنتين إضافيتين – فضلا عن إطاحة حكومة بفعل استقالة رئيسها في لحظة سياسية رآها مناسبة للخروج من قمقم حكومة اللون الواحد الى رحاب حكومة اكثر تمثيلا.
لم تطابق حسابات الرئيس المستقيل البيدر الحكومي. فلم يكد يمضي اسبوع على الاستقالة حتى تم تكليف الرئيس تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة بإجماع ١٢٦ صوتا . لكن ميقاتي الذي كان يتحسس بوادر الفراغ الدستوري المقبل على البلاد، توقع ان يقابل التكليف السريع تصريفا طويلا للأعمال. وهكذا حصل. لتقع السلطة التفيذية للرئاسة الثالثة بين مطرقة التأليف وسندان التصريف.
دخل التكليف شهره التاسع من دون ان ينجح الرئيس المكلف في كسر الطوق الذي أحيطت به جهود التأليف: شروط تعجيزية حاصرت سلام في موقع لا يحسد عليه.
لم يساعد مرور الوقت في تخفيف حدة هذه الشروط بل زادها تعجيزا. وبعدما كانت من طرف واحد هو فريق الثامن من آذار، اصبحت من الفريقين بعدما دخلت 14 آذار على خط الشروط برفضها مشاركة “حزب الله” في اي حكومة قبل خروجه من سوريا.
لم تمض على التكليف ايام قليلة حتى بدأت حملة تهديد وتهويل خاضتها قوى 8 آذار على سلام، وهو لم يكد بعد يكوَن فكرة عن حكومته. بدأت توزع تشكيلات وزارية وضعت الملف امام واقع محرج أكثر من تأثر به كان النائب وليد جنبلاط الذي كان يشكل الثقل الوازن، وهو على أبواب زيارة الى المملكة العربية السعودية.
تلك الحملات أدت فعلها وابرزت للرئيس المكلف بشكل لا لبس فيه ان لا نية لدى فريق ٨ أذار لتسهيل تشكيل الحكومة انطلاقا من نية عدم التأليف اساسا.
في المقابل، لم يلمس سلام في اول شهرين اي عقبات من فريق ١٤ آذار الذي قدم اليه كل الدعم. طرح سلام اكثر من صيغة حكومية: ٨-٨-٨ او ٧-٧-١٠ لكنها رفضت، بينما بدأ يتضح بشكل سافر تدخل “حزب الله” في سوريا. وعطل داخليا إقرار قانون للانتخاب وعطل بنتيجته الاستحقاق النيابي ليمضي النواب نحو تمديد ولايتهم.
رغم المواجهة الحادة بين فريقي الصراع، جرى إنضاج تصور حكومي على قاعدة “ثلاث ثمانات”، سرعان ما إطاحها حزب الله طارحا صيغة ٩-٩-٦ صيغة وحيدة مقبولة منه للقبول بتشكيل الحكومة، وهي الصيغة التي تؤمن له ثلثا معطلا وتطيح مطلب ١٤ آذار عودته من سوريا.
تردد ١٤ آذار حيال قبول مشاركة الحزب في الحكومة قابله خطاب إملائي ولهجة فوقية محذرة ومهددة فرملت الاندفاعة الحكومية وإعادتها الى المربع الاول.
بدا واضحا للرئيس المكلف بعدما توقفت حركة الاتصالات تدريجيا ان ٨ آذار مرتاحة لحكومة تصريف الاعمال تتولى صلاحيات الرئاسة الاولى عند انتهاء الولاية الرئاسية.
وهو بات يشعر بأنه كلما اقترب موعد الاستحقاق، ضاقت الفرص امام احتضان مطالب القوى السياسية التي ذهبت اكثر نحو التشدد والتصعيد الى حد استحالة تأليف حكومة.
يمكن تلمس المرارة التي يشعر بها الرئيس المكلف وهو يطوي صفحة عام أمضى تسعة اشهر منه وهو يحاول إنضاج حكومته، لكنه يعتبر ان ما عايشه ليس الا تجربة طبيعية جداً في ظل الواقع السياسي في لبنان الذي تتحكم فيه مصالح القوى ونفوذها، ولا سيما من تستأثر بالحكم اليوم وتعتبر ان لها الحق في الاستمرار فيه.
لدى سلام معيار كبير من الإحباط ليس على المستوى الشخصي فحسب وانما على المستوى السياسي والوطني لأن القوى السياسية لا ترى الا مصالحها ولا تبحث الا عن مكاسبها ونفوذها.
في المقلب الآخر، يواظب الرئيس المستقيل على نشاطه الكثيف في السرايا. وليس من شيء يمكن ان يذكره باستقالته الا تعذر انعقاد مجلس الوزراء.
حتى كلمة تصريف الاعمال سقطت من قاموس مكتبه الإعلامي. والسبب انه لم يعد جائزا بعد مرحلة تصريف الاعمال الطويلة اعتماد هذه الصيغة فيما النشاط الرسمي يتجاوز حدود تصريف الاعمال.
صحيح ان ميقاتي اراد من إستقالته فتح كوة في جدار الازمة ( كما أعلن في بيان الاستقالة)، لكن ثمة اقتناع لدى قريبين منه ان قرار الاستقالة توقيتا ومضمونا كان خطأ، خصوصا انها لم تفعل فعلها ولم تحقق أهدافها. فهي أعادت خلط الاوراق ولم تغير في التحالفات، ولم تدفع النائب جنبلاط الى إعادة ميقاتي الى الحكومة كما كان متوقعا في اوساط الاخير. لم تنفس الاحتقان المذهبي بل خففت مسؤولية الحكومة في انخراط حزب الله في سوريا. لم ترفع عنه الغطاء لكنها لم تعد مسؤولة عنه. ذهبت بعيدا في مفهوم تصريف الاعمال. فعومت رئيسها ووزراءها. إنصرف ميقاتي الى تفعيل نشاطه الحكومي وتكثيفه تعويضا عن فراغ خلفته الاستقالة، بينما إنصرف الوزراء الى تسيير امور وزاراتهم واستغلال الفراغ لتيسير ما تمكن، فنامت ملفات في الادراج وخرجت اخرى الى التنفيذ، وتكشفت ملفات فاحت روائح الفضائح منها وأفضت الى تفجر المواجهات بين وزراء، وبقيت فضائح مغمورة بالكتمان لا يعلم بقباحتها الا من تعطلت مصالحهم من المواطنين وتوقفت أعمالهم.
في الخلاصة، ينقضي عام لا تذرف عليه دمعة لكثرة المآسي والفضائح التي حملها لدولة فقدت بأداء القيمين عليها دورها ومؤسساتها ودستورها وقوانينها، وتطل سنة أكثر ما يُخشى أن تكون تطبيعا لما انته اليه سلفها!
