#adsense

عقلك قتلك

حجم الخط

ساعة بلغني خبر اغتيالك المفجع شعرت أن قسماً مني قد قُتل معك. منذ يومين اجتمعنا كالعادة للتداول في ما يجري والتشاور في ما يمكن القيام به لمتابعة المسيرة. تركنا بعضنا على أمل اللقاء مجدداً قريباً. جئتني يومها لأن تنقلاتي محفوفة بالمخاطر بعد محاولة اغتيالي، وكنا نظن أنك بمنأى عن الخطر. يا للسخرية! أنت كنت بخطر لكننا لم نكن ندري ذلك.

آلمني اغتيالك كثيراً يا صديقي العزيز ويا رفيق نضالي الشجاع. سأفتقدك كثيراً في الأوقات الحرجة، وهل هناك أحرج من حدث اغتيالك؟ إلا أن ألمي الكبير لم يتملك كل حواسي، لقد ساواه حجماً وعمقاً حيرتي حول أسباب اغتيالك. لماذا قتلوك؟

ولماذا أنت بالذات؟ وأنت لم تؤمن يوماً بالعنف ولم تحمل يوماً سلاحاً ولم تترك يوماً العنان لغرائزك في مواجهة الظلم والقهر والقتل والإرهاب، والكل يعلم كم عانينا معاً من ذلك. فالعنف لم يدخل يوماً في قاموس حياتك، وهو نقيض بسمتك الدائمة وتوقك المستمر للحوار والتشاور والاعتدال، فالعنف معطل للانفتاح والتواصل. إنه نقيض العقل.

ماذا فعلت، ما هي الجريمة التي ارتكبت لكي يمزقوك أشلاء؟ هل كانوا يخشون قوة ساعدك أو وفرة سلاحك أو حجم الميليشيا التي تأتمر بك، وكل هذه الأمور بعيدة عنك بُعد السماء عن الأرض؟ هل كانوا يخشون تطرفك وتأثيرك الجماهيري القادر على قلب المعادلات، وأنت أبعد الناس عن الشعوبية والغوغائية؟.

يا صديقي وعزيزي لقد قتلوك لأنك عاقل، لأنك ترفض تسلط الأحقاد والكراهية، لأنك كنت من المراهنين معنا أن لا بديل عن لبنان الديموقراطي المتنوع والتعددي، وأن لبنان للجميع، ولا حياة لأحد منا إذا خنق لبنان لمصلحته أو لطائفته، وأن العاصفة ستمر، وسيعود اللبنانيون الى أنفسهم ليدركوا أن لبنان للجميع، ولكي يبقى يجب إسقاط مشاريع الاستقواء على الدولة وعلى بعضنا البعض.

لقد قتلوك لأنك لم تستسلم يوماً ولم تيأس من لبنان واللبنانيين بالرغم من كل الصعاب، بل حافظت على إيمانك ومعتقداتك ومبادئك. لقد قتلوك لأنك تملك السلاح القوى في مواجهتهم، سلاح العقل المتقد ذكاء. أزعجهم سلاحك لأنه يغير قواعد اللعبة التي يحاولون فرضها على اللبنانيين. إنهم يرتاحون إذا كنت تملك سلاحاً لأن ذلك يبرر اقتناءهم للسلاح واستعماله. لقد قتلوك لأنك إنسان مثقف، ولأنهم يحتاجون الى جهلة ويكرهون المثقفين. قتلوك لأنك تقرأ، والخطر لأنك تفهم ما تقرأ، ولأنك تتابع الأحداث، تحلل تستخلص وتستشرف المستقبل وترسم الحلول، والمطلوب أن يقرأوا عنك ويفكروا عنك ويقرروا عنك، ويبقى لك حق التصفيق والتأليه لتتمتع به بدون حدود.

لقد قتلوك لأنك كنت قادراً، إذا أقفل طريق في وجهنا، أن تجد الطريق البديل. لقد قتلوك لأنك كنت تخترع الأمل، لأنك كنت تصنعه. لقد قتلوك لأنك وضعت عقلك الاستراتيجي المبدع في خدمة لبنان والقوى الاستقلالية والديموقراطية فيه، ولا سيما قوى آذار والرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة. قتلوك لأنك اصبحت محترماً ومسموعاً في محيطك ولأنك تحولت مرجعاً يطيب لأي عاقل الرجوع اليه في الملمات. وكم من مرة جلسنا نحلل، نفكر، نخطط للمستقبل وفي كيفية حماية لبنان من الإعصارات الكبيرة التي تضربه.

أيها الصديق العزيز تركت العالم ومغرياته، وكم كانت واعدة لك، لتتطوع في خدمة لبنان، إيماناً منك بأن سعادتك لا يمكن أن تكتمل إذا كان لبنان وإخوانك في الوطنية تعساء. لقد عرفناك نموذجاً حضارياً وطنياً مستعداً لكل تضحية من أجل لبنان، انخرطت في صفوفنا لأداء واجبك مدركاً المخاطر التي كنت تعرض نفسك لها، فلم تأبه ولم تتردد ولم تنكفئ. لقد أحببت وطنك حتى الشهادة، وشهادتك وسام شرف على صدر الوطن. بك يعتز لبنان، وبك يفتخر الشهداء الذين سبقوك، والذين سيدركون، بانضمامك اليهم، أننا ما زلنا على العهد بمتابعة النضال من أجل لبنان.

قتلوك لأنهم خافوا منك من عقلك. فبئس أيام يرقص الجهلة فوق قبور العقلاء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل