دخل اللبنانيون دائرة الإهتمام باستحقاق انتخاب رئيس الجمهورية المقبل متأخرين، مفتقدين حماسة المتابعة على مسافة ثلاثة أشهر من بدء مهلة الشهرين في 25 آذار 2014 . قد يكون السبب حرص رئيس مجلس النواب نبيه بري لحسابات شتى على “إطفاء” الموضوع وعدم تسليط الضوء عليه. قد يكون أيضاً عدم يقين أن الإنتخاب حاصل في زمن صار الفراغ وتصريف الأعمال بما تيسر قاعدة، وملء الشواغر وإن في أعلى مراتب الدولة استثناء.
لا يمنع أن اللبنانيين المهتمين بالسياسة دخلوا مرحلة الإنتخابات من ثلاث بوابات . الأولى فتحها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي بادر إلى وضع مواصفات للرئيس العتيد قال كثيرون إنها تنطبق عليه، لكن العتبة الأبرز التي خطاها كانت دراسة وضعتها مجموعة من الحقوقيين البارزين نشرت “النهار” ملخصاً عنها، فحواها إن الدستور لا ينص على نصاب الثلثين لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. عقب جعجع على ذلك لاحقاً بأن السير بنصاب النصف زائد واحد سيجعل النواب الـ128 جميعاً يهرعون إلى الجلسة لعلمهم أن الإنتخاب حاصل بهم وبدونهم وأن النتيجة قد تكون بفارق صوت واحد بفعل المنافسة الشديدة والإصطفاف السياسي الحاد .
لم تلق الدراسة تجاوباً كبيراً. بري رفضها والبطريرك الماروني بشارة الراعي لم يؤيدها ورئيس لجنة الإدارة والعدل روبير غانم جزم أن النصاب القانوني هو الثلثان وقوى 14 آذار لم تعلق . لكنها حققت الغاية ربما وهي التفكير في البدائل في حال إصرار فريق على تعطيل الانتخاب بالمقاطعة إذا كانت نتيجة بوانتاج التصويت لا تناسبها. ثمة في فريق 8 آذار من يهمس أن حتى الفريق الخصم 14 آذار، وبالأحرى قسم من هذا الفريق لا يناسبه نصاب النصف زائد واحد لأنه قد يؤدي في ظروف معينة إلى وصول مرشح لا يرتضيه. فكيف يتخلى عن “حق الفيتو” المتمثل بالقدرة على تعطيل الجلسة؟ النصاب سيف ذو حدين . سيئ ومفيد.
يوضح هنا أحد واضعي الدراسة، النائب السابق صلاح حنين، للمستفسرين أن المسألة ليست عقيدة، بل محاولة تفكير في حل إذا فرضت مشكلة النصاب في ظروف معينة. ويضيف أنه خلافاً لما قد يكون خُيّل إلى بعضهم، يحتاج المرشح للفوز في جلسة تعقد بنصاب النصف زائد واحد إلى نيل أصوات 65 صوتاً من أصل 128. نصف عدد أعضاء مجلس النواب وليس 34 صوتاً، أي نصف حضور الجلسة زائد واحد. بمعنى آخر يحتاج إلى إجماع إذا تأمن النصاب بصوت واحد.
ولكن ثمة مساع تبذلها البطريركية المارونية خصوصاً لعقد اجتماع موسع للنواب المسيحيين في بكركي، بالتفاهم مع نواب كتل “التيار العوني” و”القوات” والكتائب و”المردة” والمستقلين وسائر نواب قوى 14 آذار، على أن يخلص الاجتماع إلى اتفاق يندرج تحت ثلاثة عناوين: لا لخرق الدستور إن في روحيته أو مضامينه من خلال إحلال الفراغ في موقع الرئاسة أو التمديد، وإن لم يكن مطروحاً من رئيس الجمهورية. لا لخرق قاعدة الديموقراطية بما يعني ذلك من سير للبنان في مسار معاكس لاتجاه حركة الشعوب العربية نحو الديموقراطية وإسقاط الديكتاتوريات. ولا لخسارة الموقع الأول للمسيحيين في الدولة أو إضعافه.
ولكن يجب أن يكون المرء مجبولاً بالتفاؤل من أجل تخيل اتفاق النواب المسيحيين على تأمين النصاب بمجرد نزولهم إلى مجلس النواب عندما يُدعون إلى الإنتخاب لأن لكل من المرشحين حلفاء سيجارونه حفاظاً على التحالف. وهم قادرون على ذلك نظرياً وعاجزون عملياً. يستحيل أن يوفر مرشح لخصمه فرصة الوصول إلى القصر الجمهوري لأن الحسابات الشخصية هي الطاغية، والحسابات السياسية متباعدة إلى درجة يتعذر معها التقاء حتى على قاعدة احترام الديموقراطية بما تفرض من تهنئة للفائز أياً يكن.
تستحق إشارة هنا نظرية لبعض صقور 14 آذار المسيحيين أن مواقع المسيحيين في الدولة، باستثناء موقع مدير المديرية العامة للأمن العام الذي وعد الجنرال ميشال عون باستعادته من حلفائه ولم يستطع، ليس ضعف التأثير سمتها، بل تتعلق المسألة بالأشخاص. يُضفي المسؤول صفة “القوي” على نفسه في الدولة ارتكازاً على شخصيته ومركزه وقاعدته أيضاً. هل يلزم التذكير بأهمية مواقع رئاسة الجمهورية وحاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش ومديرية المخابرات وسواها فضلاً عن نيابات رئاسة مجلس النواب ومجلس الوزراء ومؤسسات أخرى ذات وزن وتأثير؟
“الرئيس القوي” صفة شكلت بوابة ثانية دخل منها المجتمع السياسي إلى موضوع الإنتخابات. أثار هذه النقطة بداية مؤيدو ترشيح النائب الجنرال عون في لقاءات وإطلالات وبيانات سواء لـ”تكتل التغيير والإصلاح” أو القوى والشخصيات المتحالفة معه أو ذات المصلحة. في حسابات هؤلاء السياسيين أن نتائج الإنتخابات النيابية تظهر تقدم عون على سائر الزعماء الموارنة بدليل ترؤسه أكبر كتلة نيابية مسيحية . لا يوافق المسيحيون الـ 14 آذاريون على هذا المنحى . يعتبرون أن “حزب الله” والنظام السوري ضخَّما تكتل عون في الأساس اقتراعاً وضماً عشوائياً إلى التكتل، وما كان يقارب الصواب ربما قبل سنوات لم يعد كذلك اليوم. ولو جرت انتخابات نيابية لكانت أظهرت شعبية لعون وسياسته في أدنى مستوى لها إطلاقاً بفعل ارتكابات حليفيه “حزب الله” والنظام السوري، وفوقها الإنهيار في الأداء الحكومي على مستوى عشر وزارات. في المقابل تعكس استطلاعات الرأي الأجنبية والمحلية صعوداً لحزب “القوات” في المناطق، وكذلك الإنتخابات النقابية والطالبية. يساعد هنا ثبات في مواقف الدكتور جعجع المبدئية دفع ثمنه غالياً ولم يغادره.
هكذا سار مع موجة الدعوة إلى انتخاب “رئيس قوي” مؤيدو ترشيح جعجع باعتبار أن الصفة تنطبق عليه. وذكّر الكتائبيون بأنها تنطبق على رئيسهم. الرئيس أمين الجميّل منعته الظروف والحروب الأحداث الكبرى الإقليمية والدولية، يقولون، من أن يُمارس دوره رئيساً للجمهورية في المرحلة التي تولى خلالها الرئاسة. والمهرجان الأخير للحزب أثبت اتساعاً في قاعدته الشعبية. إنه القوة الحزبية الثالثة عند المسيحيين.
يبرز عند هذه النقطة تفسير مختلف إلى حد ما للصفة المطلوبة في الرئيس. تفسير لا يبتعد عن السجال الصامت والدائر عن بعد بين دوائر المحيطين بالمرشحين: “القوي” هو من يتابع بقاعدة شعبية ومن يُعتبر قطباً في محيطه السياسي، سواء أكان في 14 أو في 8 آذار. ومن يحترم في الوقت نفسه الدستور والقوانين. في أحد خطاباته الأخيرة أنهى جعجع بعبارة “يحيا الدستور. يحيا لبنان”. الطائف الذي ما كان لولا جعجع أصبح دستوراً. يفهم الرسالة من يجب أن يفهمها قبل أن يختار بين خيارين.
إلا أن المرشح “التوافقي” ليس يعني “الضعف” عند من يروّجون لمرشحين لا يشكلون تحدياً لأحد ، على ما يقولون. “القوي بمفهومهم يدمر البلد” يقول أحدهم . نُقل في السياق عن البطريرك الماروني بشارة الراعي كلام غير مؤكد قاله أمام وفد “المستقبل” الذي زاره برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة فحواه أنه يفضل رئيساً توافقياً. في أي حال لن ينجر البطريرك بحسب ما تؤكد أوساطه إلى تقديم لائحة بأسماء مرشحين كما فعل مرتين اضطراراً سلفه البطريرك السابق نصرالله صفير، بل سيدعو النواب إلى عدم مقاطعة جلسة الإنتخاب لضرورة مسيحية ووطنية في آن واحد. في رأي جزء مسيحي مهم من 14 آذار أن “التوافقي” لا يشكل في وجهه معارضة فاعلة ولا تتكوكب حوله موالاة تتيح له الحكم، مما يسفر عن ضياع وعدم استقرار سياسي واقتصادي وأمني.
البوابة الثالثة التي يدخل منها المهتمون هي أسماء المرشحين. ثمة من يعتقدون أن 14 آذار قد تقدم أكثر من اسم ليكمل من يتكوكب حوله العدد الأكبر من النواب. سمير جعجع وأمين الجمّيل، ولكن هناك أيضاً القانونيان نائب البترون بطرس حرب ونائب البقاع الغربي روبير غانم. في 8 آذار يؤكدون أن “حزب الله” لا يمكنه تجاهل ترشيح الجنرال عون فيما النظام السوري يفضل حليفه تاريخياً أباً عن جد، رئيس “المردة” النائب سليمان فرنجية. أما الرئيس نبيه بري فلو عادت إليه لأخذها إلى صديقه القديم الوزير السابق جان عبيد الذي يفضل ألا يأتي أحد على ذكر اسمه، ليس تعففاً بل حرصاً على تأمين الطريق بين مسالك ضفتي الصراع، في لبنان والمنطقة على السواء. المرشحون الآخرون الذين يوصفون بـ”التوافقيين” أيضاً معروفة أسماؤهم: حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بنقاط قوته الظاهرة وضعفه والدراسة غير المعتمدة التي تقول بعدم حاجته إلى تعديل دستوري كبقية موظفي الفئة الأولى، وقائد الجيش العماد جان قهوجي الذي يحتاج إلى تعديل دستوري وإقناع “حزب الله” بأن يعالج ما يفوق الإستياء عند حليفه الجنرال الآخر عون، بالإضافة إلى إقناع الداخل والخارج بأن الإنتقال من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية ليس قدراً ولم يصبح عرفاً، لكن الظروف الأمنية الدقيقة ولا سيما بفعل وجود الإرهاب تفرضه مرة أخرى.
تكتمل السنة 2013 في أي حال على تكهنات. هل سيكون للرئيس ميشال سليمان من يخلفه في القصر الرئاسي؟ الجواب عند “حزب الله”، و”حزب الله” لا تقتصر حساباته على لبنان.