هل سقط ضحية اقتراحه الحياد بقرار دولي ورسالته المفتوحة إلى روحاني؟
استشهاد شطح يعجّل في ولادة حكومة حيادية غير استفزازية
بينما كانت قوى ١٤ آذار تستعد لضم شهيدها الجديد الى قافلة شهداء ثورة الأرز، كانت صواريخ “مقاومة” تنطلق من أراضي الجنوب في اتجاه إسرائيل، محركة الجبهة الجنوبية التي تلقت نحو ١٠٠ قذيفة إسرائيلية في حركة متناغمة. أراد مطلقو الصواريخ من لبنان إبعاد الأنظار عن جريمة الاغتيال الشنيعة التي أسقطت محمد شطح شهيدا على بعد أمتار من “بيت الوسط”، في محاولة بائسة للقول بأن وجهة السلاح “المقاوم” هي إسرائيل وليست الداخل اللبناني، في ما يشبه التأكيد على ان اولويات “حزب الله” ليست داخلية وفي رد غير مباشر على الاتهام المباشر الذي وجهه الرئيس سعد الحريري الى الحزب.
ليس في مسجد محمد الأمين حيث تقبلت قيادات ١٤ آذار الى جانب عائلة الشهيد التعازي، من يشك لحظة بأسباب استهداف شطح والرسائل المتعددة الوجهة التي حملها. فالرجل الذي تميز بالاتزان والهدوء والاعتدال لم يكن قليل الحركة أو الفاعلية، فالخلفية الاقتصادية التي طبعت موقعه كوزير للمال في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وهو الآتي من صندوق النقد الدولي وحاكمية المصرف المركزي، لم تلغ أبدا المسؤولية الكبيرة التي تحملها شطح من خلفيته الديبلوماسية (عندما كان سفيرا للبنان في واشنطن)، من خلال موقعه الاستشاري الى جانب الحريري الابن والسنيورة. فشكل عبر شبكة علاقاته الديبلوماسية الخارجية صلة اتصال على قدر عال من الأهمية، والذراع الفكرية والسياسية الدولية للحركة الاستقلالية، وكان يحظى بالاحترام والاستجابة في الأوساط الدولية.
في الأسابيع الماضية، عكف شطح على بلورة فكرة آمن بها بشدة انطلاقاً من توجسه الشديد من أخطار استدراج لبنان الى وحول الحرب السورية. وهو كان يدرك تماماً ان ما حصل على مدى اكثر من عامين على اندلاع تلك الحرب ليس الا البداية، وأن الساحة الحقيقية للمواجهة ستكون الشارع اللبناني الاكثر أهلية لخوض المعركة السنية – الشيعية.
لم تكن نظرة شطح الى مسألة تحييد لبنان عن الأتون السوري، مجرد فكرة بأبعاد محلية. كان يدرك ان هذا الامر يتطلب أكثر من قرار محلي، خصوصا بعدما أسقط “حزب الله” اعلان بعبدا الذي يدعو الى الابتعاد عن التدخل في الشأن السوري. كان الامر يتطلب قرارا دولياً يظلل الاستقرار الداخلي.
وفي عشاء خاص دعا اليه نائب رئيس الحكومة سمير مقبل، ضم مجموعة من شخصيات ١٤ آذار، طرحت فكرة ترمي الى إدراج “اعلان بعبدا” في مقدمة الدستور. الا ان الفكرة ظلت دونها عوائق إذ تتطلب اجتماعا للحكومة المستقيلة وقانونا من مجلس النواب.
بدا “اعلان بعبدا” الذي حمل توقيع “حزب الله”، وان قبل توغله في سوريا، المدخل الأفضل لإبعاد لبنان عن التداعيات السورية.
ولم يهدأ محمد شطح في البحث عن الصيغة التي تؤمن الحماية للبنان. وفي عشاء ضمه مع السنيورة الى طاولة البطريرك بشارة الراعي، تبلور الاقتراح الذي لاقى مباركة من الراعي الذي ذهب أبعد في تبنيه مطلب حياد لبنان، الى حد إبداء استعداده لزيارة طهران اذا اقتضى الامر.
حمل شطح المباركة المسيحية لمشروعه وعكف على اعداد وثيقة بهذا المعنى، أرفقها بكتاب مفتوح الى الرئيس الإيراني حسن روحاني وخلاصة الاقتراح: تبن عربي ودولي لحياد لبنان، وخروج “حزب الله” من سوريا.
أنجز شطح مشروعه ورفعه الى بكركي في خطوة ترافقت مع تسويقه لدى السفراء الغربيين، باعتبار ان المشروع يلحظ استصدار قرار عن مجلس الأمن بتحييد لبنان عن الصراع السوري.
وفي آخر اجتماع عقده شطح في إطار لقاءاته الدورية والموفدين الدوليين او السفراء، مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي النائب الالماني ايلمار بروك، كشف شطح عن اقتراحه فلاقى ترحيباً من المسؤول الاوروبي الذي كان له موقف لافت ضد “حزب الله” خلافا للمواقف الاوروبية الاخيرة، اذ عبر عن عدم ارتياحه الى كلام الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، الذي أعلن فيه أنه غير مستعد للتعاون وتوفير الشروط المناسبة للحفاظ على الاستقرار. وأبدى أسفه لكون “حزب الله ناشطاً في سوريا وغير مستعد ليكون جزءا من حل مستقل”.
وقد يكون الكشف عن وثيقة شطح التي باتت في عهدة بكركي و١٤ آذار فضلا عن الكشف عن مضمون كتابه المفتوح (الذي نشره ابنه عمر على صفحته الالكترونية منذ صباح أمس) للرئيس الإيراني ما يكشف النقاب عن الدور الذي كان يؤديه شطح من أجل توفير ضغط دولي داعم لاستقرار لبنان، مما قد يفسر في بعض جوانبه سبب استهدافه.
لن يشهد شطح على ولادة مشروعه الذي رأى فيه خلاص لبنان من “الكماشة” السورية – الإيرانية، ولن يحظى بجواب عن كتابه المفتوح، لكنه سيشعر من عليائه بوعد صديقه الرئيس فؤاد السنيورة: ان ما بعد اغتياله لن يكون أبدا كما قبله.
فحال الحزن وبعض الاحباط السائد في اوساط قيادات ١٤ آذار لم يحل دون حسم الخيارات ورسم خريطة الطريق لمرحلة ما بعد الاغتيال وحتى مَن بعده:
– كلام السنيورة حدد سقف تحرك الحركة الاستقلالية بنقطتين أساسيتين: أولاهما الرد السلمي والديموقراطي على الرسائل الدموية والإرهابية، ورفض الانزلاق الى هدف الخصم باستنساخ نموذج ضرب الثورة السورية وتحويلها حرب تطرف وجهاد عبر ضرب ثورة الأرز واستدراج التطرف الى ملعبها. والأخرى هي اعلان قرار التحرير من السلاح غير الشرعي لحماية الاستقلال مع كل ما يرتبه هذا القرار من العودة الى الساحة او إجراءات اخرى على مستوى العمل السياسي السلمي.
– ان العودة الى جرائم الاغتيال السياسي لقيادات ١٤ آذار يؤكد حال الإرباك لدى “الفريق الآخر” وعجزه عن سحب توقيع مكون سياسي وطائفي أساسي على مشروعه السياسي.
– لا عودة عن قرار المضي في تشكيل حكومة جديدة. والتوجه، خلافا لما عبرت عنه بعض القيادات الآذارية هو نحو حكومة حيادية من غير الحزبيين على قاعدة ٩-٩-٦ تعلن في مهلة أقصاها الاسبوع الاول من السنة الجديدة وقبل بدء عمل المحكمة الدولية منتصف كانون الثاني المقبل. وما فك الحظر السعودي عن الدعم المالي للبنان الذي اعلنه رئيس الجمهورية الا مؤشرا الى خروج المملكة عن الستاتيكو حيال الملف اللبناني.
– تحرك اقتصادي ضاغط في اتجاه قصر بعبدا تقوم به الهيئات الاقتصادية التي ستلتقي رئيس الجمهورية ميشال سليمان قبل ظهر اليوم، مطالبة بوضع حد للفراغ على مستوى المؤسسات الدستورية، والدعوة الى تشكيل الحكومة.