هناك من يستند الى مرجعية أيديولوجية غيبية وظلامية، لكنه يمنّي النفس بأنّه يتبع سياسة اغتيالات “علمية”.
هناك من يثق ببراعته “التقنية” في الاغتيالات. ويطمئن نفسه، رغم المحكمة الدولية، بأنّ أحداً لن يحاسبه بشكل جدي وحاسم على ما تقترفه أيديه منذ منتصف الثمانينيات والى اليوم.
هناك من يقتل الناس غيلة. هناك من لا يمكنه التوقف عن قتل الناس غيلة. لماذا؟ لأنه من ناحية يتمتع بثقة شديدة، عمياء، بأنّ اغتيالاته “علمية” من حيث اختيار الهدف، و”تقنية” محترفة من حيث التنفيذ. لكنه من ناحية أخرى، فهو الطرف نفسه الذي يتملكه الرعب، الرعب من أن ينحدر فجأة باتجاه القعر الذي خرج منه. هذا الرعب الذاتي يبلغ مداه اليوم مع اتساع رقعة وحدة التورّط في الحرب السورية.
هو يستعين أساساً بهذا الرعب كرعب ذاتي، يخيف به بيئته الاجتماعية من انه اذا سقط سقطت وعادت عقوداً الى الوراء.
لأجل ذلك، فإن السؤال لا يمكنه أن يكون مباشرة الآن “كيف نمنع هذا القاتل من قتل الناس غيلة؟”، وانما كيف نحرمه من الثقة الزائدة بأنّ عمليات اغتياله “علمية” من حيث تحديد الأهداف، و”تقنية” خارقة من حيث التنفيذ؟ هذا السؤال هو ما يفترض بالحركة السياسية ضد الاغتيالات أن تسأله لنفسها قبل أي شيء آخر.
فالى حد ما، يستشعر “الممانعون” ظهور معالم كماشة داخلية تتهدّد معادلاتهم، فمن جهة بكركي وبعبدا ومسيحيو ثورة الأرز، ومن جهة ثانية، الاعتدال السني والتشدّد السني في وقت واحد. هي وضعية تثير رهاباً شديداً عندهم، وهذا الرهاب يصير عدوانية.
فاذا ما أضفنا الوضع السوري، واتساع دائرة الاستنزاف في هذا النزاع، أصبحت عدوانية هذا الفريق المعروفة على مرّ ثلاثة عقود، في طور جديد من الاحتقان والتفريغ. فهو بدأ يرى ما لم يره أخصامه: اللوحة الاجمالية للكماشة الداخلية والخارجية الآخذة في الالتفاف حوله.
أما المنظار الثاني الذي يمكنه أن يضرب ثقته الزائدة بالاغتيالات، في مقابل رعبه الذاتي من الفرق المذهبية الأخرى، فهو تكريس معادلة مزدوجة: لا “شيطنة” لبيئة اجتماعية مؤلفة من شرائح سكانية مهما حدث، ولا “أنسنة” لتنظيم محترف الاغتيالات السياسية، مهما كان نوعها.
