#adsense

«رسالة الفوضى» وصلت إلى «مَن يعنيهم الأمر»!

حجم الخط

هناك مَن يعتقد أنّ لبنان ما زال في بداية الطريق. فالآتي أعظم. والسيناريوهات كثيرة. لكنّها جميعاً تؤدّي إلى الفوضى… وما بَعد بَعد الفوضى!

لم تكن هناك حاجة إلى اغتيال للتأكّد من سوداوية المرحلة الآتية. فحتى الشهيد الدكتور محمد شطح نفسه، كان يتوقع مرحلة عُنفيَّة غير مسبوقة في سوريا، ستنتقل إلى لبنان.

وأجمعت التقديرات على أنّ الإغتيال مدخل إلى مرحلة جديدة من المواجهة. وعلى رغم التباين في السيناريوهات ونهاياتها، فهي تلتقي على أنّها عنفيّة. والخطر الأكبر يكمن في احتمال أن يكون لبنان قد افتقد إلى الضوابط الدولية التقليدية التي تحميه من السقوط في الفوضى الكاملة. ففي أسوأ ظروف الحرب الأهلية، كان هناك دائماً ضغط دوليّ، وينفّذ أحياناً بأدوات إقليمية، لصون مؤسّسات رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي، في اعتبارها النواة التي فيها تتمثّل وحدة الدولة، ولو شكليّاً.

لكنّ هذه المؤسّسات الثلاث أصبحت اليوم هي ذاتها محور النزاع. وإذا استمرّ هذا الإتجاه، فقد تكون للبنان في الشتاء حكومتان منقوصتا الشرعية، وفي الربيع فراغ رئاسيّ، وفي الخريف لا انتخابات نيابية. وهكذا تكون صورة الدولة المركزية قد اهتزّت. وعندئذٍ، ستكون مراهنة القوى الدولية على مؤسّسات أخرى كالجيش والمصرف المركزي، للحفاظ على “قشرة” من التماسك في الدولة.

وإذا كان اغتيال شطح، وفقاً للبعض، محطة شبيهة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، من حيث المفاعيل، فذلك يعني دخول لبنان في مرحلة تأسيسية، لأنّ ظروف 2014 تختلف عن ظروف 2005.

في العام 2005، اغتيل الحريري في خضمّ متغيّرات إقليمية ـ دولية أعقبت أحداث 11 أيلول ودخول الأميركيّين إلى العراق، وسبقت خروج السوريّين من لبنان. فيومذاك، وفي ظلّ التأزّم الإيراني ـ الأميركي، كانت المعادلة السورية ـ السعودية هي غطاء التسويات في لبنان.

وأمّا اليوم، فالاغتيال يأتي في خضمّ متغيّرات مختلفة: تحضيرات لرسم مستقبل جديد لسوريا، يبدو أنّ الرئيس بشّار الأسد يحجز مكانه فيه، بغطاء دولي. وبداية التفاهم الأميركي مع إيران، وعودة روسيا إلى الشرق الأوسط، وسقوط المعادلة السورية ـ السعودية كغطاء في لبنان.

وأمّا المحكمة الدولية، التي يُفترض أن تكون من علامات المرحلة، وأن تُنتج متغيّرات حاسمة إقليميّاً ولبنانيّاً، فهي على المحكّ. ووسط مراهنة على أنّ كشف الحقيقة سيطيح كثيراً من المعطيات ويخلق أخرى، فإنّ البعض خائف: لقد نجا النظام من ملفّات أوقعت الآلاف في سوريا، كالكيماوي وسواه، بتسوية ضمنية دولية. فهل ينجو من ملف الإغتيالات في لبنان بالتسوية عينِها أو بتسويات أخرى؟

ويعتقد البعض أنّ التجرّؤ على إغتيال، قبل أيّام من بدء المحاكمات، يثير المخاوف من أنّ الجناة المرجّحين في عمليات الإغتيال كلّها لا تخيفهم المحكمة، ولا يخشون وصولها إليهم.

ويبدو رئيس الجمهورية، الذي ألغى أمس مؤتمراً صحافيّاً، قيل إنّه كان ناريّاً، أمام التحدّي. فهو أوّل المعنيين برسالة اغتيال شطح. وكذلك الرئيس المكلّف تمّام سلام. وأمّا فريق 14 آذار، الذي يعتبر نفسه منذ العام 2005 “أمّ الصبي” في الدفاع عن الجمهورية، فهو أمام المحكّ الأخطر على الإطلاق:

– إذا استمرّ، كما هو اليوم، في “المنطقة الرمادية” بين المواجهة والمهادنة فسيتلقّى مزيداً من الضربات والخسائر… إلى ما لا نهاية.

– إذا قرّر التسليم لـ”حزب الله”، على طريقة النائب وليد جنبلاط، فسيفقد كلّ ما بقي له من نقاط قوّة… ونهائيّاً.

– وإذا قرّر مواجهة “حزب الله” “بسلاحه”، أي بالطريقة التي يستخدمها، فهذا يعني الحرب الأهلية إلى ما لا نهاية. علماً أنّ فريق 14 آذار، في هذا المجال، لا يمتلك القدرات التي يملكها الخصم.

فأيّ من هذه الخيارات الثلاثة سيذهب إليه فريق 14 آذار لحماية الدولة، إذا كانت كلّها صعبة ولا تكفي لتجنّب الفراغ والفوضى؟ والأهمّ: هل ما زالت القوى الدولية مهيّأة أو راغبة، فعلاً لا قولاً، في الحفاظ على الدولة والحدّ الأدنى من تماسكها وسلطتها المركزية؟ أم يشكّل اغتيال شطح عودةً إلى ما كان عليه الوضع قبل انسحاب سوريا، كما توقَّع الشهيد نفسه في “التغريدة” الأخيرة عبر “تويتر”؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل