#adsense

المبادرة السعودية أكبر من حملات الافتراء

حجم الخط


أن يحاول الرئيس ميشال سليمان إضاءة شمعة أمل، في ظلام الأزمة الداخلية، التي ازدادت تفاقماً، بعد التفجير الذي أودى بأحد رموز الفكر والاعتدال، فهو تحدٍ جديد، يأخذه رئيس الجمهورية على عاتقه، كالعادة، ليحدّ من موجة التشنج والتوتير، التي اجتاحت الوضع الداخلي إثر جريمة اغتيال محمد شطح، وأشاعت مناخات تفجير فتنة مذهبية، لا تُبقي ولا تذر.

جاء توقيت الإعلان الرئاسي عن الهبة السعودية السخية، التي قدّمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لدعم قدرات وإمكانات الجيش اللبناني، في لحظة أحوج ما يكون فيها اللبنانيون إلى بارقة ثقة تُعيد لهم التفاؤل المفقود بمشروع الدولة، وبقدرتها على التصدّي لمخططات استنزافها، وضرب المؤسسات الدستورية والأمنية، وإضعاف السلطة الشرعية، بهدف الهيمنة على مقدرات البلاد والعباد، وأخذ لبنان، مرّة أخرى، إلى سلسلة من الحروب الداخلية، على غرار ما يجري حالياً في سوريا والعراق، وبلدان عربية أخرى.

في الحسابات اللبنانية، كان الرئيس ميشال سليمان موفقاً في تحديد ساعة التوقيت، بالتزامن مع وصول الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الرياض، وكأن الرئيس اللبناني أراد أن يقول بأنني الطرف الثالث المشارك في قمّة العاهل السعودي والرئيس الفرنسي، والتي يحتل فيها لبنان والملف السوري قائمة الصدارة.

والحضور اللبناني في القمم السعودية – الفرنسية ليس جديداً، بل كان دائماً متواجداً، وخاصة في مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يتمتع بثقة القيادتين السعودية والفرنسية، ونسج علاقات مميزة بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السابق جاك شيراك ساهمت في تحقيق مظلة أمان للوضع اللبناني الخارج من حرب مدمرة، وعززت جهود دعم مسيرة البناء وإعادة الإعمار التي قادها الحريري بشجاعة واقتدار، وحققت أبرز تجلياتها في مؤتمرات باريس المتلاحقة للدول المانحة، والتي وفرت الدعم المالي اللازم للبنان.

* * *
أما مبادرة الملك عبدالله بتقديم هذا الدعم السخي للجيش اللبناني، فتؤكد من جديد، وكما أشار الرئيس ميشال سليمان في كلمته إلى اللبنانيين، وقوف الشقيقة الكبرى إلى جانب لبنان: الدولة والشرعية، والأمن والاستقرار، بمواجهة كل المخططات والتنظيمات التي تحاول التطاول على هيبة الدولة، والانقضاض على دورها، وتعريض أمن العباد واستقرار البلاد للخطر القاتل.

وبصريح العبارة، لقد دحضت الخطوة السعودية الكبيرة، كل حملات التشويه والافتراء التي تعرّضت، وما زالت تتعرّض لها المملكة السعودية، وتشويه سياستها بدعم المنظمات المتطرفة أو تشجيع الأعمال الإرهابية.

وجاء تجاوب خادم الحرمين الشريفين مع طلب الرئيس اللبناني بتوفير الدعم اللازم للمؤسسة العسكرية الوطنية، ليعزز موقف المملكة الثابت بدعم لبنان، كل لبنان، من دون أي تمييز سياسي أو طائفي بين مكونات النسيج اللبناني من جهة، إلى جانب تجديد الحرص السعودي على توفير القدرات اللازمة للأجهزة الأمنية اللبنانية للتصدي لمحاولات الإخلال بالأمن والسلام الأهلي، والقضاء على البؤر التي تحاول إشعال الفتن، وإشاعة الفوضى ومناخات التطرف في البلاد، من جهة ثانية.
* * *
وغني عن القول إن توفير ميزانية ثلاثة مليارات دولار، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ دولة الاستقلال ومسيرة الجيش اللبناني، من شأنه أن يوفّر من الإمكانات التجهيزية، والقدرات التسليحية للجيش الوطني ما يُمكنه ليس من القضاء على المجموعات المتطرفة التي تحاول التعرض لمواقعه وعناصره بين الفينة والأخرى وحسب، بل أيضاً من المفترض أن تؤدي إلى تصحيح المعادلة الداخلية، ووضع المؤسسة الوطنية فوق مستوى التنظيمات المسلحة الأخرى، مما يؤدي إلى إسقاط مبررات وجود السلاح خارج إطار وإمرة المؤسسة العسكرية، وبالتالي العمل بجدية على التخلص من فوضى السلاح، المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، والتي يحاول اللاعبون بأمن البلد وبنيران الفتن، استغلالها لتحقيق مآربهم الخبيثة، والتي لم تعد خافية على أحد.

ولو كان ثمة ذرة من حقيقة حول مزاعم خصوم المملكة، وافتراءاتهم حول التمويل السعودي للمنظمات المتطرّفة، لما كانت مبادرة العاهل السعودي تأخذ طريقها إلى التنفيذ لدعم الجيش اللبناني، الذي يتصدّى بصدور جنوده وضباطه العارية، وبإمكانات بدائية، للعناصر المتطرفة، على اختلاف ألوانها الحزبية والطائفية والمذهبية، ولكان عُشر هذا المبلغ الضخم يكفي لإشعال الأرض اللبنانية في حروب طاحنة.

* * *
مرّة أخرى، يأتي الترياق من الرياض!
واللبنانيون ما زالوا يذكرون للملك عبد الله مبادراته التاريخية إبان حرب تموز 2006، حيث انتشل الليرة اللبنانية من الانهيار المحدق بمسارعته إلى إيداع مليار دولار كوديعة في البنك المركزي اللبناني، كانت فاتحة لمساعدات خليجية أخرى.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، حرص العاهل السعودي على مشاركة المملكة في إعادة إعمار القرى التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان، فكان أن تولت المساعدات السعودية ورش البناء في 223 قرية من أصل 236 قرية تضررت في الحرب الإسرائيلية الغاشمة.

طبعاً، إلى جانب تمويل مئات المشاريع الإنمائية من مدارس ومستشفيات، وجسور وطرقات، ومحطات مياه وكهرباء وسدود في مختلف المناطق اللبنانية، فضلاً عن احتضان المملكة لعشرات الألوف من اللبنانيين، كما أشار الرئيس سليمان أيضاً، من مختلف الطوائف والمناطق، الذين ضاقت بهم سبل العيش في الوطن الأم، وأدّت الحروب المستمرة والنزاعات المزمنة إلى هجرتهم نحو بلاد الأمن والأمان.

فهل يجوز بعد كل هذه المبادرات السعودية الأَخوية أن نردّ العرفان بالجميل، بسهام الافتراء والتشكيك؟

المصدر:
اللواء

خبر عاجل