هذه المبادرة هندسها شطح وأقنع الرئيسَين سعد الحريري والسنيورة بها، وتواصل بعد ذلك مع الكنيسة والقيادات المسيحية التي رحبت بها ودعمتها، وكان يُفترض به قبل اغتياله، أن يكون قد قطع شوطاً كبيراً في اتصالاته الديبلوماسية مع سفراء الدول الكبرى للمساعدة في تبنّيها.
يكمن المعنى العميق لهذه المبادرة “الذكية” والمصاغة في توقيت ملائم، في صنع دينامية كانت ستؤدّي إلى تدويل حياد لبنان، هذا التدويل الذي كان مطلباً تاريخياً للمسيحيين، فإذا بشطح الذي يمثل تيار الاعتدال الإسلامي، ينتقل به عبر جسرٍ مفتوح، لكي يكون مطلباً لبنانياً يتبنّاه المسلمون والمسيحيون، ولا عجب في ذلك فالوزير الشهيد كان في حدّ ذاته هذا الجسر بين المسيحيين والمسلمين، فضلاً عن كونه أحد أهم صانعي المبادرات داخل قوى “14 آذار”.
الجواب من إيران روحاني لم يأتِ، لكنّ جواباً آخر بلغة الاغتيال حصل، وهو ما يضيف الى الشهيد، بعد اغتياله، شهادة بحسن قراءته للمشهد العام في المنطقة وفي إيران التي تُفاوض المجتمع الدولي. لقد كان شطح يعتقد أنّ جلوس إيران الى طاولة المفاوضات، هو عنوان لوجود تيارَين داخل القيادة الإيرانية، ولا يستبعد أن يكون أحد أسباب الاغتيال، مرتبطاًَ بإطلاق هذه المبادرة، التي كانت تهدف الى وضع لبنان والقرارات الدولية ذات الصلة، بما فيها “إعلان بعبدا” على طاولة المفاوضات مع إيران، لكي لا يُستثنى من صفقة الحل الشامل القائم على تطبيق كل القرارات الدولية في المنطقة.
هذه المبادرة لم تَمُت بإستشهاد شطح، لا بل إنّ هذا الاستهداف، أعطى الحافز لكي تُستَكمَل، فالشهيد قطع شوطاً كبيراً في الاتصالات الدولية الهادفة لإنضاجها، وما على قوى “14 آذار” إلاّ أن تستكمل ما بدأه، لكي لا يحقق هذا الاغتيال أهدافه.
في التفاصيل الأولية للتحقيق في اغتيال شطح، يمكن ملاحظة الاحتراف الذي ارتُكبت به الجريمة. إذا كان هناك من شبّه بينها وبين جرائم الاغتيال السابقة، فهو يتمثل في دقّة التنفيذ، كما يتمثل في مرحلة ما بعد التنفيذ، التي شهدت حملةً مُعدّة مسبقاً لتضليل التحقيق، والتشويش على الرأي العام.
من كلامٍ لبعض الاعلاميين عن وجود طائراتٍ اسرائيلية في السماء خلال تنفيذ العملية، إلى تسريب معلومات عن خروج السيارة الجانية من مخيم عين الحلوة، إلى القول إنّ انتحارياً نفذ العملية، كلها تعيد المشهد، الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبقية الشهداء، والجميع هنا يذكر رواية الأوستراليين الستة، ونظرية استهداف موكب الحريري بصاروخ اسرائيلي، الى فيلم “أبوعدس” الذي حلّ التحقيق الدولي جزءاً كبيراً من طريقة ترتيبه، وكلّ ذلك يهدف لاستباق التحقيق ومحاولة جره الى مكان آخر، حيث أوحى اعلام “حزب الله” أنّ شطح “التكفيري”، إغتيل على يد تكفيريّ آخر يقيم في مخيم عين الحلوة.
هذا التشويش لا يعدّ إلاّ جزءاً لا يتجزأ من الاغتيال، الذي لم يكن يستهدف الّا شطح نفسه، وليس أيّ شخصية أخرى من تلك التي حضرت اجتماع “بيت الوسط”. السنيورة الذي كان أكثر من يعلم أهمية الشهيد الذي أعدّ كثيراً من المبادرات، وآخرها المبادرة الهادفة الى تحييد لبنان، كان أول من شعر بأنّ المستهدف هو شطح. كان اول ما فعله بعد الانفجار رصداً لهوية الشخصية المستهدفة، هو الطلب من النائب أحمد فتفت الاتصال بهاتف شطح. لم تلبث دقائق أن مرت ليعرف الجميع أنّ صاحب المبادرة قد استشهد في الانفجار، لتبقى المبادرة، وليبقى “اعلان طرابلس”، شاهداً على رجل خلّاق، بلغ الخوف من اعتداله الصلب، ومن عمله الصامت من أجل وطنه، حدَّ اتخاذ القرار بشطبه واغتياله.