سبق محمد شطح كثيرين عندما قرر ان يوجه كتابه الى الرئيس الايراني حسن روحاني مباشرة شارحاً فيه الدور السيئ الذي يضطلع به الحرس الثوري لبلاده، بدعمه “حزب الله”، في توريط لبنان في الحرب السورية. لم يكن شطح الا واضحا في مواقفه. لم يكن وسطيا، كما يدعي البعض اليوم لتبرير اغتياله، بل كان حازماً حاسماً على قدر كبير من الروية والحكمة، وكان يسمّي الاشياء بأسمائها.
لقد أرادوا بقتله ترويع اللبنانيين ولن ينجحوا، فقد ادمن اللبنانيون الموت. ويريدون السيطرة على البلاد والعباد معا، ولن ينجحوا، لأن اللبنانيين عاشوا الحروب الطويلة، وكل أنواع القهر والذل ولم يستسلموا. عرفوا أن يقاوموا انواع الاحتلالات، ونجحوا في تحرير بلادهم. والقتلة، على رغم علومهم، لا يعلمون ان الصيغة اللبنانية، مع تخلفها، اقدر على الاستمرار من اراداتهم، لانها تجمع ما لا يمكنهم فهمه من تنوع واختلافات، بل أيضاً من تناقضات، ويمكنها ان تشكل نموذجا لعالم اليوم المليء بالتعقيدات والاختلاط غير المحدود في زمان ومكان.
لم يكتف البعض الى اليوم بكل محاولات ضرب الصيغة اللبنانية، بل يكررها باستمرار، ويسعى الى تبديل الواقع الديموغرافي تارة بالاستيلاء على ارض الغير في المناطق، وطوراً بالشراء المنظم في قلب المناطق لضرب هويتها، لكنهم ايضا لا يعلمون ان الامور تبدلت، وان التهجير المنظم يخدم اهدافا ضيقة ومحدودة، لان غنى الأوطان يكمن في عقول ابنائها، وربما في انتشارهم ودورهم العالمي، حيث يمكن هؤلاء ان يفيدوا بلادهم اكثر من حسابات ضيقة محصورة في بقعة جغرافية وفي مقعد بلدي واختياري.
يريد هذا البعض ايضا ان يفسد علاقات لبنان بالدول الصديقة والشقيقة، سعيا الى تبديل هويته كذلك، فيهاجم المملكة العربية السعودية، ويتناسى شعاره “شكرا قطر”، ويحاول ان يبرّر الجريمة البشعة التي أودت بالشهيد محمد شطح، وسبعة آخرين. وآخر ما طالعنا به تقرير امس يشير “الى إمكان إدراج الاغتيال في سياق صراع الأجنحة داخل الإدارة الأميركية، وأن رئيس جهاز الاستخبارات السعودي بندر بن سلطان التابع للمعسكر الأميركي المتشدد الداعم للعمل العسكري ضد نظام سوريا، قد يكون هو من يقف وراء عملية اغتيال شطح، ويندرج ذلك في إطار الحرب التي يقودها بندر بن سلطان عبر الجماعات التكفيرية على الساحتين العراقية واللبنانية، خصوصاً أنه هدد في وقت سابق بأنه سيعمل على قلع أعين البنتاغون”.
تقرير طريف وجد جوابه سريعا عبر إعلان رئيس البلاد العماد ميشال سليمان عن هبة سعودية للجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وهي المساعدة الاولى من نوعها للجيش وللدولة اللبنانية بهذه القيمة من دولة بعينها. وهذه موجهة الى الجيش، اي الى المؤسسة الوطنية العسكرية، التي تملك السلاح الشرعي، في مواجهة كل انواع السلاح غير الشرعي، وأشكال اضعاف الدولة اللبنانية لتقوم محلها دويلات الآخرين.
الاعلان عن الهبة السعودية للبنان، ولجيشه، بارقة أمل، لانها تؤكد الثقة بلبنان، والتمسك به، وبدوره، والاهم الواضح هو عدم التخلي عنه وتركه لقمة سائغة وضحية للحرب السورية.