كل ما يقوم به “حزب الله” يتّهم الآخرين بافتعاله. من وضع تفجيرات الضاحية؟ ومن خطط للتفجير المزدوج أمام السفارة الإيرانية؟ ومن “ينتحر” أو يقتل نفسَه بنفسِه؟ ومن يقتل رفاقه في النضال؟ قد تكون الإجابة التكفيريين أو قوى 14 آذار التي تدعم التكفيريين (!)، وأحيانا إسرائيل، وفي كل الأحوال فإن قوى 14 آذار هي سبب “البلاء” والتي يوجّه إليها “حزب الله” أصابع الإتهام قبل أن تبدأ التحقيقات القضائية. لماذا؟ لأنها تطالب بالدولة وحكومة تنقذ البلد، وحياد لبنان عمّا يجري في محيطه وإبعاد الخراب عنه وعن أبنائه، والأهم لأنها تقدّم الشهداء. لكن شهداءها بالنسبة الى “حزب الله” جلبوا الخراب لأنفسهم لمجرّد انتسابهم الى قوى 14 آذار، أما بقاء اللبنانيين فهو بفضل “شهداء المقاومة”!
لم يحرّض “حزب الله” يوما على الإصطفافات. يملك ترسانة صاروخية إيرانية، لكنّه بريء من السلاح غير الشرعي. يدعم نظام الإرهاب في سوريا ويقتل الشعب السوري، لكنّه بريء من القتل. يهرّب أقرباؤه الكبتاغون ويزوّرون اللحوم لكنّه بريء من الفساد. وعناصره المطلوبون الى المحكمة الدولية، متّهمون لأنهم “قدّيسون”! مع كل هذا “الجبروت” لم يشعر “حزب الله” بأنه قادر على حمايتهم، فقد قلبت كلمة الرئيس فؤاد السنيورة كل المقاييس، وتبعتها كلمة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لتقضي على أوهام حزب ولاية الفقيه.
“قررنا تحرير لبنان من السلاح غير الشرعي” عبارة لا تكتمل إلا بخبر دعم سعودي بقيمة 3 مليارات دولار من السلاح الشرعي، تكاد تقلب موازين القوى في لبنان لصالح الدولة وتوصل السلاح غير الشرعي الى خريف العمر ومن ثم التقاعد. هذه الأحداث التي أفقدت “حزب الله” صوابه، وحملته على مضاعفة تحذيراته ومحاولة استعطاف جمهوره، مصوّرا نفسه وكأنه يرفض الطريقة التي يريد من خلالها فريق 14 آذار “استبعاده”، وهذا ما قصده عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله حين تحدث عن “مكتسبات سياسية”. وربط تلك المكتسبات بـ “رقص قوى 14 آذار على الدماء”، في تحريض مباشر على قوى 14 آذار، والتقليل من قيمة حياة اللبنانيين، ومن يرقص على جثث اللبنانيين في 7 أيار وأبناء القصير والغوطتين من دون أن يجد في ما يرتكبه سوءا، فلا شكّ سيقلب ما قام به على الآخرين.
ويتّهم فضل الله قوى 14 آذار بأنهم “يسعون الى الإستيلاء على الحكومة، والأمن والقضاء ومقدّرات البلد”. وهل بتصفية قياداتها، كما يدّعي الحزب، تسعى قوى 14 آذار الى الإستيلاء على مقدّرات البلد؟ وبمَ سيخدمها عددها القليل ومراكز الدولة عديدة ومتشعّبة؟! أما الطريف فهو اتّهام قوى 14 آذار بالسيطرة على القضاء، كأن قوى 14 آذار هي من تعوق اليوم “تحرير” ملف قتل هاشم السلمان من مخفر الأوزاعي! وكأن قوى 14 آذار هي من مارست الضغوط على القضاء لوقف التحقيق في محاولة اغتيال النائب بطرس حرب! وأما عن الأمن، فحدّث ولا حرج، فـ”حزب الله” كان يلغي دور الأمن كلّما أراد إدخال السلاح الى الجنوب، فيعطّل الكاميرات في بعض البلدات ويفكّكها، ثم يعود في اليوم التالي لإخفاء آثار الجريمة! فمن الطبيعي إذاً أن يعرف من خطط ونفّذ تفجير ستاركو إتّجاه الكاميرات بالدقيقة والثانية.. فمن أراد إذاً إستثمار اغتيال الوزير الشهيد؟
كل هذا التحريض والتهديد، يتناقض مع ما عبّر عنه سيّد الحزب حين قال “مش فاضيينلكم”. هكذا يبرّئ الحزب نفسه، فإذا وقعت مصيبة، يظنّ بأنه سيخرج “متل الشعرة من العجينة”. إلا أن فضل الله تناول ما حدث في اليومين الأخيرين بكل دقة وبكل تفصيل.. فهم متفرّغون لقوى 14 آذار أم لا؟ وإن كانوا فعلا “مش فاضيين” فلمَ يقودون حملات الصراخ ورفع الإصبع والتهديد بقطع الأيدي يوميا ومن دون مناسبات؟
وعلى عكس “مش فاضيينلكم”، يحلل فضل الله خطاب قوى 14 آذار فيصف ما قامت به قوى 14 آذار “حملة هوجاء” وبأن الحزب تعاطى معها “بأذن صمّاء ولا مبالاة”، ويتابع “خطابهم التحريضي لن يصل لأبعد من آذانهم”.. يريد “حزب الله” من قوى 14 آذار أن تنصاع وتسكت، أن لا تعترض ولا ترفع الصوت وترفض القتل، وأن تسير بحكومة ينال فيها “حزب الله” الثلث المعطّل ويقود انتخابات رئاسة الجمهورية مغيّرا النظام اللبناني ومحققا حلمه بولاية الفقيه في لبنان. إنه ليس تحليل من يصمّ آذانه، بل هو تحليل من “لا يرى أبعد من أنفه”.