هنا… في هذه المعادلة… معادلة من البيت والطائفة والمذهب والمدينة والحي والأسرة، إلى الدولة والوطن، على ضوء العلم وبرعاية الاعتدال.
وقبل الكلام عن الوزير الشهيد الدكتور محمد شطح، لا بد من الكلام عن مرباه، عن بيئته التي علّمته العلم والعمل، عن ربّ البيت، أبيه… الذي يبدو أنه لم يكن من الأغنياء، وهم قليلاً ما يعلّمون أو يتعلّمون، ولا من أهل الفقر المدقع المانع من صقل المواهب بالدرس، إلا حالات من تمرّد الفقير على القيود والخروج بالعلم إلى فضاء النعمة، أو حالات يكون فيها فقير قد أيسر، بعدما أحبطت الحاجة طموحه العلمي، فقرر أن يلاحق الجهل لينتقم من الفقر بالتعليم (35 ألف منحة تشهد للشهيد الرئيس رفيق الحريري). ويبدو إذاً أن والد الشهيد كان قادراً على تجاوز الظروف المعيقة، ويرفع من نسبة يسره بالإرادة والكرم والتكرّم بتعليم أولاده. وأخاله قد مضى راضياً على ما رعى وأثمر من كفاءات في مختلف الحقول العلمية. ولا بد أنه كان يأنس في ولده، أكثر من مشروع عالم أكاديمي، في حقل لا يبدع فيه إلا القلّة (المال والاقتصاد) وكان يراه مشروعاً علمياً مشغولاً بمشروع علمي يسهم في تنشيط عملية التبادل بين العلم والتنمية.
لقد كان بإمكان أي زائر لضريح والد الشهيد صبيحة عيد الأضحى، أو ليلة رأس سنة، قبل دفن الشهيد بسنوات، وبعد دفنه بعقود من السنين، أن يبارك له في ضريحه، أو لروحه على ما استثمر وأنتج، متمنياً أن لو كان حياً، ليرى كيف بلغ نجله من الكفاءة، أن دخل دورة الإنتاج الاقتصادي العالمي خبيراً مالياً في عصر إيديولوجيا المال، لا مال الإيديولوجيا. وكان في البنك الدولي يخزّن الخبرة، ليعود بها إلى بلده. وعاد عندما تحوّل مانح المنح، إلى حاضن لأهل الممنوحين وبلدهم ومستقبلهم، عاد عندما حمل أمانة لبنان، عمارة ودولة، معمار باحث عن الشركاء الأكفاء، لا يسأل عن أسمائهم الثلاثية ولا مذاهبهم ولا طوائفهم، ليضمهم إلى الورشة، مدركاً أن العمارة تؤول إلى خرابة، إذا لم يتوافر لها فريق حراسة، متعدد متّحد، أي دولة مبنية بالشراكة على الشراكة، تحوّل التعدد والاختلاف بحسن الإرادة والإدارة من مانع إلى دافع، ومن سبب للحرب إلى سبب للسلام، ومن داعٍ للفرقة الى داع للوحدة، ومن غذاء للنفور إلى نُسغ للألفة، ومن وطن جميل إلى رسالة مفيدة.
وعندما اغتيل معلم الورشة، وفق المهندس الكفي المبدع الصامت (باسل فليحان) تبين أن فكرة الدولة، ضارة لأحد ما بقدر ما هي نافعة للجميع… ما زلنا في هذا السياق، في هذا التقابل الحاد، بين الدولة واللادولة أي اللااجتماع، ومتى كانت الطوائف اجتماعاً، وهي لا تقوم، في السياسة، إلا على الفرقة! هكذا يقول اغتيال محمد شطح، ولو كان الذي اغتيل غيره، لكان لاغتياله المعنى ذاته، وإن يكن أقل فصاحة وبلاغة ووجعاً، من دم محمد شطح.
أنا معتدل، وأحياناً أبدو، أنا والبعض، متطرفاً في اعتدالي، ولن أكف، بصرف النظر عمن ينتصر في الصراعات الأهلية, والأهلي في اللغة العربية يقابله الوحشي، وعليه فهذه الحروب ليست أهلية، هي وحشية قطعاً، واسألوا الشهيد محمد الشعار التلميذ النابه، والكادح طارق بدر، ورفيقه السوري الباحث عن لقمة يومه، بعدما هُرّب الوطن من عينيه بتخريبه… ولست مغامراً أو مقامراً باختياري للاعتدال، لأني أراه قادماً ولو على مهل، ولا يهمني متى يصل، قبل موتي أو بعده، فالمهم أن يصل. وأحب المعتدلين، من كل الأديان والمذاهب والأحزاب والقرى والمدن، وأخاف عليهم من القتل (لم يقتل في لبنان حتى الآن إلا المعتدلون)… وأحببت محمد شطح لأنه معتدل، كان أشد اعتدالاً مني، وقد تفوّق عليّ في التعبير عن الاعتدال في حوار جرى بيننا في جماعة من الشجعان المعتدلين، ولفتني فيه أنه يضطره اعتداله، وأدبه الاعتدالي، كثيراً، إلى الصمت، إذا كان محاوره، خصماً أو صديقاً، متوتراً ومتشبثاً بإطلاق الأحكام، أو الشتائم. وعليه فاعتداله كان داعياً إلى محبته… والمعتدلون الحقيقيون والمهذبون موجودون… أما محمد شطح فقد كان اعتداله مختلفاً، لم يكن موقفاً وكفى، كان مشروعاً، وفي مسألة الدولة، لم يكن معتدلاً، أو كان معتدلاً من أجلها، أما إذا تيقّن أنها في خطر، فإنه يذهب إلى الدولة، يبدأ في صوغ رؤية، يطوّرها ويعدّلها باستمرار، على ضوء المستجدات… كان مصراً على تحويل العلم إلى اعتدال والاعتدال إلى علم، من خلال التشبّث بفكرة الدولة، التي يتجسد فيها الاعتدال، والتي لا يصنعها إلا الاعتدال.
إني أدعو أمثال محمد شطح، وأعرف كثيرين منهم بالأسماء، أن لا يصرفوا الورشة ولا ينصرفوا إلى منازلهم… ومن دون دولة ليس لنا منازل… لنا قبور، ندفن فيها أحياء وأمواتاً… يؤكد محمد شطح، بدمه ونظراته الأخيرة، على ضرورة أن يتجمع عقلاء لبنان وحكماؤه تحت سقفه، حتى لا يسقط السقف على الجميع.