#adsense

عندما تقطع “التقيّة” حبال.. التلاقي

حجم الخط

 

لحظات عصيبة وصعبة يمر بها البلد وسط حال من الغليان والإحتقان الطائفي والمذهبي سببها الاستقواء بالسلاح وممارسة السياسات الخاطئة التي لم تجر على لبنان سوى الخراب والدمار وسقوط المزيد من الشهداء وسط غياب لغة العقل عند البعض من خلال تمسكهم اكثر فأكثر بمشاريع خارجية واهية وبحكّام يتلذذون بمشاهدة الجثث والاشلاء ويروون عطشهم بدماء الاطفال، الأمر الذي يدعو الى التساؤل، “هل ما زالت لغة العقل تنفع وسط حفلات الجنون التي تمارسها بعض الاطراف؟”.

الجميع في لبنان مدرك مدى الخطورة التي قد تنتج عن الإحتقان غير المسبوق الحاصل على الساحتين الوطنية والاسلامية في لبنان، خصوصاً اذا ما وقعت الواقعة بين مكونين أساسيين السُنة والشيعة. ولهذا، وانطلاقا من حرصها على عدم اخذ الامور بالاتجاه المُعقّد رغم الجراح والمآسي التي تتكبدها على الدوام، فإن القوى الوطنية المستقلة في هذا البلد تعمل مع بعض سعاة الخير لايجاد مساحة تلاق علّها تنجح في وأد الفتنة التي يعمل النظام السوري ومعه حلفاؤه من اللبنانيين على تأجيجها في كل مرّة يستبشر بها اللبنانيون خيراً.

كان يُمكن لبلد مثل لبنان تحكمه شريعة الغاب من قبل ظلاّم يُمارسون التقيّة بأفعالهم ويُضمرون عكس ما يقولون أن تُحدث فيه جريمة اغتيال رجل الاعتدال الوزير السابق محمد شطح صدمة ايجابية من شأنها أن تُفرد عنواناً كبيراً للتلاقي ونبذ الخلاف والاختلاف بأشكاله كافة للوصول الى كلمة موحدة تُعبّر عن آمال اللبنانيين وتطلعاتهم نحو مستقبل واعد ومثمر، الا ان الجهة الوحيدة المتنفعة من كل هذا الشرخ ابت الا ان تزيد في تعميق مشاعر الكراهية واذكاء روح الفتنة من خلال نيلها من شخص الشهيد وقيمته الوطنية في جلساتها الخاصة وعبر مواقعها الاعلامية المتعددة، وما الاحقاد التي خرجت عبر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالجهة نفسها الا تعبير حقيقيّ عما تضمره هذه الفئة تجاه شركائها في الوطن.

من المنطقي الكلام ان الوضع الحالي في لبنان لا يُنذر بموعد لحل قريب للأزمة العالقة في الدوائر السياسية، فالتنبؤ بالمستقبل والدخول في علم الغيب شيء والواقع على الأرض شيء آخر على الرغم من أن البعض في لبنان بات يتحضّر او يحتسب يوم تندلع فيه شرارة حرب مذهبية، إلا أن عقلاء البلد وعلى رأسهم قيادات في قوى الرابع عشر من آذار ينفون هذا الاحتمال نفياً قاطعاً لا بل يردونه إلى أصحاب العقول الضيّقة والمتحجّرة والمصالح الشخصية الذين وبحسب هذه القيادات هم قلّة في هذا الوطن، كما أن الشرارة برأيهم بحاجة الى طرفين يمتلكان السلاح على عكس الحقيقة التي تؤكد حصرية السلاح بيد فئة واحدة.

لكن في حقيقة الامر ورغم كل هذه التطمينات التي تدعو في بعض جوانبها الى التفاؤل، إلا انها لا تبدو كافية أقله لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين والتي ترى انها معنية بما يجري في الداخل السوري ان بشكل مباشر او غير مباشر سواء من هذه الطائفة او تلك، وعلى سبيل المثال إن ما يجري من دعم معنوي ومادي وبشري لصالح النظام السوري من قبل أسياد القرار داخل “حزب الله” واعوانه، يُقابله دعم محدود من قبل الآخرين لصالح الشعب السوري يتمثل بإيواء النازحين وتأمين الدواء وأبسط ما تفرضه حقوق الجيرة من دون ان نُسقط خصوصية الغرائز المذهبية أو حتى المصالح المشتركة التي تبدأ بالجغرافيا ولا تنتهي بصلات القربى أو العلاقات التاريخية.

ووسط هذا الوضع المتفاقم والمُخيف وفي ظل الهيمنة الواضحة على القرار الشيعي في لبنان والمنطقة تطل فئة من داخل الطائفة غير آبهة لا بالسلاح ولا بفرض الهيمنة لتعلن على الملأ وبلغة العقل أنه ومنذ تأسس “حزب الله” في العام 1982 والطائفة الشيعية في خصام مستمر مع الشرعيتين اللبنانية والدولية، فبرأيها أن الحزب قد زرع في عقول الشيعة منطق العداء للدولة وبأنها المسؤولة عن الحالات المأسوية التي يعيشونها سواء في البقاع والجنوب او الضاحية الجنوبية وذلك ضمن خطة ما زالت سارية المفعول عند البعض منذ واحد وثلاثين عاماً تحت عنوان “لا حقوق ولا كرامة للشيعة من دون حزب الله”.

وبرأي هذه الفئة أن الخصام الذي فرضه الحزب بين الشيعة والدولة حرم أبناء طائفته من واجبات دولتهم تجاههم بعدما أوهمهم أنه البديل عنها، وأن الحرمان الذي عاشوه وعايشوه لسنوات طويلة قد ولّى الى غير رجعة، لكنهم اليوم يدفعون ثمن هذه السياسة من خلال حرمانهم من ابسط حقوق دولتهم تجاههم مثل رعايتهم وحمايتهم، وبسقوط أبنائهم خارج الإطار الذي رسموه لأنفسهم منذ زمن طويل لجهة صراعهم مع العدو الاسرائيلي، ومن دون اغفال موضوع ادخالهم في نزاع عميق مع محيطهم العربي وما نتج عنه من نكسات اجتماعية وانعكاسات سلبية على اوضاعهم الاقتصادية ومع الشرعية الدولية بحيث أصبحوا أفراداً متهمين بعمليات اغتيال ومطالبين وملاحقين من قبل العدالة الدولية.

اليوم وفي ظل الوضع المأسوي الذي يعيشه الشعب اللبناني نتيجة تفرّد “حزب الله” بقرار الدولة وبحربها وسلمها وما لهذا التفرّد من انعكاس على طائفة محددة في المستقبل، فإن السعي الجاد والحقيقي لوأد الفتنة في مكانها سيبقى مفقوداً وضائعاً في ردهات النظامين الايراني والسوري لتبقى الآمال في بلد العجائب معلقة على صحوة ضمير تُنير العتمة بدل لعنها وتفتح في جدارها كوّة يخرج منها الشعب اللبناني من ظلمة الباطل إلى نور الحق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل