احتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر قبل ظهر الأربعاء بقداس رأس السنة على نية السلام العالمي، في كنيسة سيدة الوردية في رأس بيروت، يحيط به خادم الرعية المونسنيور أنطوان عساف ولفيف من الكهنة، بمشاركة شخصيات سياسية واجتماعية.
ورأى مطر في عظته أن العالم يحتاج إلى صلاة وإلى عمل روحي دؤوب لينعم الناس، أفرادا وشعوبا، بهذا السلام. فالأسلحة الفتاكة تتكدس في المخابىء، أكثر مما يتكدس القمح في الأهراء، والقنابل النووية على أنواعها تستطيع وحدها، بالانتشار الذي تعرفه، أن تمحو عن سطح الأرض كل وجود حي. أما الشرق الأوسط، وفي قلبه وطننا العزيز لبنان، فهو اليوم في عين العاصفة، بغالبية دوله وشعوبه. وإن ما يجري فيه من المخازي يندى له الجبين. فالقيمة البشرية عند بعض القيمين عليه لا تساوي أكثر من أشياء بخسة.
أضاف: “على كل هذه الأسئلة المقلقة والمحرجة، يجيب قداسة البابا فرنسيس في أول رسالة له عن السلام منذ بدء حبريته، وهي تنشر اليوم بالذات في مناسبة يوم السلام في عيد رأس السنة الجديدة. فيعود قداسته إلى بداية التاريخ وإلى الانحراف الأساس الذي ظهر في واقع الأخوة التي كان الله باركها عندما بارك آدم وولديه الأولين قايين وهابيل”.
وقال: “إذا عدنا إلى هذا الشرق ومصائبه الحالية ونظرنا بخاصة إلى حالتنا في لبنان، فإننا ننطلق ببناء السلام فيهما من هذا الموقف الروحي بالذات، أي من مبدأ الأخوة التي يريدها لنا الله. إن تفتيت الشرق إلى مذاهب متناحرة ليس سوى انتحار جماعي أكيد، وهو نقض للحضارة المسيحية والإسلامية المتلاقيتين في الحضارة العربية التي يسجل لها على العالم فضل كبير. أما الأثمان المدفوعة من جراء هذا الخطأ التاريخي الرهيب، فهي تتمثل بمئات الآلاف من القتلى، وبالملايين ممن صاروا مشردين في بلدانهم أو على أبواب الله الواسعة، وبالخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي يغذي الأحقاد في القلوب إلى حد تلاشيها. فهل هذه الأثمان لا تكفي للاقرار بأننا مخطئون وبأن علينا العودة عن هذا الخطأ الفادح لنفتدي المستقبل ونعيد فيه الأخوة إلى دعوتها الأولى؟”
أضاف: “وعندنا في لبنان، حيث ودعنا بالأمس شهيدا عزيزا ورجلا للحوار والاعتدال معروفا بمثاليته، وحيال الأزمة الخانقة التي راحت تتخبط بها البلاد، فإننا نسأل بكل صدق ومحبة، ماذا يريد كل فريق عندنا من الآخر؟ إن الحوار يبقى الوسيلة الوحيدة لتخطي هذا الانقسام الرهيب الذي ليس فيه خدمة لأحد ولا للبنان. على أن يكون هذا الحوار صريحا إلى آخر حدود الصراحة لأنها حدود تلامس حدود الأخوة الجامعة والوطن الواحد. “فمن يطلع من ثيابه يبرد”. إننا نطلب منكم سلاما للبنان أيها المسؤولون وكرامة للوطن وضمانة المواطنين. وكونوا على ثقة بأن أي لبنان آخر غير لبنان الذي صنعنا وصنعتم بدم القلب وعرق الجبين على مدى أجيال، لن يكون أبقى ولا أجمل ولا صاحب قيمة عالية بقدر ما لهذا الوطن من قيمة أمام الله والناس”.
وختم مطر: “لتكن هذه السنة باستحقاقاتها الدستورية كلها، أي بتأليف حكومة تضمن مصالح الشعب، وانتخاب رئيس للجمهورية يضمن استمرار الوطن، سنة انطلاقة جديدة لسلام لبنان وخير بنيه. وليكن الله معكم في جهدكم هذا وكل عام وأنتم جميعا بخير”.