عام جديد. عام احتدام وتصادم، يبدأ عملياً باغتيال الوزير محمد شطح، واستفحال المشروع التغلّبي الفئوي، ووجود خطر حقيقي على الجمهورية عشية الاستحقاق الرئاسي. فهل تصح المقاربة التي مفادها أن المتغلّبين الشموليين يسعون إلى “الفراغ” كتوطئة لفرض نظامهم البديل ودستورهم البديل؟
قد يجهل كثيرون أنّ الحزب النازي منذ وصوله إلى السلطة في برلين وصولاً إلى هزيمة ألمانيا الهتلرية في الحرب، لم يستبدل الدستور الألماني، دستور جمهورية فايمار، بدستور آخر، وإنما اكتفى بالإجازة لنفسه حال الاستثناء التي كان يتيحها الدستور الديموقراطي، وعلّق العمل بهذا الدستور شيئاً بعد شيء، إنما بشكل ضمني، فبقي دستور فايمار الديموقراطي غير ملغى قانونياً إلى آخر يوم من العمر القصير للرايخ الثالث. لم يظهر دستور قومي اشتراكي، نازي، لألمانيا، في ظلّ أدولف هتلر.
من الكاريكاتورية طبعاً مقارنة الحزب النازي بـ”حزب الله”. لكن في بعض الكاريكاتورية فائدة: مثلاً في الشق الذي يعنينا هنا، يمكن القول إنّ “حزب الله” هو الآخر إذ يعمل على تعطيل المؤسسات الدستورية وتفريغها من معانيها، فإنّه لا يسعى جديّاً إلى “التأسيس لدستور جديد”, وقد يكون في غنى عن السعي لإبطال الدستور الحالي للبلاد بشكل قانوني ورسميّ.
فرغم كل ما يقال عن “مثالثة” يسعى إليها بدل “المناصفة”، يظلّ مشروعه بلا قوام يؤسس لبديل يطرح على البلد سبيلاً لإحلال هيمنته الفئوية الشمولية.
هو يقود مشروعاً تغلّبياً، لكنه تغلّب لا يسعى إلى تثبيت نفسه في نظام مستقرّ يرضخ له المغلوبون.
من هذه الناحية، ليس عنده “هدف نهائي واضح” في المسألة اللبنانية. يريد التغلّب على الآخرين، ويتوسّل لأجل ذلك الوسائل التعبوية والعنفية والتحالفات الاستتباعية، ويراهن على تدخّله في الحرب السورية، ويخوض منذ الآن معركة الاستحقاق الرئاسي من هذا المنظار التفريغي، لكنه في أوّل وآخر الأمر لا يمكنه أن ينتج تصوراً عن نظام دستوري بديل للنظام الحاليّ، مهما استفزّ الآخرين بالدعوة إلى مؤتمر تأسيسي هو نفسه لا يملك أولى مستلزماته: ارتضاء الفكرة الدستورية.
وهذا يبرز شيئاً رئيسياً: السمة الطفيلية للمشروع التغلّبي الفئوي الراهن، والتي تفسّر في مكان ما دينامياته العنفية. من حيث إنّه لا يجد مصلحة في الاستيلاء على السلطة بشكل حاسم ومباشر يضعه في موقع فرض نظام جديد، وإنما في التحكّم بالعباد من موقع الاستفادة الطفيلية من ركام نظام دستوري يعمل على ضربه وتقويضه وتفتيته وتسخيره لأهوائه.
وهذه السمة الطفيلية قد حلّت بالحزب من يوم تراجعه عن بوصلته الأولى، أي منظار “الجمهورية الإسلامية في لبنان”، إلى يوم تعاظم تدخّله في سوريا بداعي إنقاذ نظام “علماني” من “تحكيم الشريعة”، وحماية المصالح الإقليمية لنظام “الشريعة” في إيران في الآن نفسه.
هو حزب تقويض لا تأسيس. مشروعه التغلّبي ظلاميّ، عنفيّ، فتنويّ، إنما لا قوام له، لا رؤية له لنظام بديل يقوده هو.
إذا ما استعدنا تمييز حنة آرنت بين “الحركة الشمولية” و”النظام الشمولي” نرى أن طفيليته ترجع إلى كونه “حركة شمولية” تعتاش على ركام نظام، وليست تمكّنها دينامياتها العنفية و”التنكيلية” من إيجاد نظام آخر.
حيويته في مكان تخفي بلادة ذهنية وعملية في أماكن أخرى. المبالغة في تقدير “حيوية” هذا الحزب هي أقصر الطرق لسوء فهمه.