#adsense

حكومة الخيار الأخير

حجم الخط

يخطئ من يعتقد أنّ ولادة الحكومة العتيدة ستكون رداً على اغتيال الوزير السابق محمد شطح، فكلّ الدلائل تشير الى قرار ثابت اتخذه رئيس الجمهورية ميشال سليمان منذ الصيف الماضي بعدم الانتظار حتى 25 أيار المقبل، تاريخ انتهاء ولايته الدستورية، لتأليف الحكومة.

في قصر بيت الدين، قال الرئيس سليمان أمام وفد من الإعلاميين في آب الماضي: “لن أنتظر الى نهاية الولاية، والحكومة ستكون على الأقل قبل شهرين من 25 أيار”. وعليه، جاء اغتيال شطح على ما يبدو استباقاً لولادة الحكومة، وليس العكس.

هذا الكلام كرّره رئيس الجمهورية للنائب نهاد المشنوق ومنسّق الأمانة العامة لقوى “14 آذار” الدكتور فارس سعيد اللذين زاراه ليل اغتيال شطح. وأكّد سليمان أنّ الحكومة ستُبصر النور فور عودته من الخارج. اعتبرت قوى “14 آذار” أنّ الاغتيال يرتِّب إعادة تحديد الأولويات، وأهمّها ضرورة مواجهة الفراغ بتأليف الحكومة فوراً وعدم الانتظار أكثر، لا سيما أنّ “حزب الله”، الذي يعطّل التأليف، لا بد انه سيعطّل الانتخابات الرئاسية أيضاً، وهو ما أشار إليه ضمناً الرئيس نبيه برّي في كلامه عن تأثير ولادة الحكومة في الاستحقاق الرئاسي.

في موازاة ولادة الحكومة الوشيكة، تتحضّر قوى “14 آذار” لتصعيد مقاومتها المدنية. ومن المعروف أنّ هذا الموقف، الذي استلزم الكثير من الدرس قبل إعلانه، يتراوح تطبيقه العملي بين مجموعة من الخطوات، تبدأ بوَقف كلّ أشكال الحوار والاتصال، ولا تنتهي، كما يُطالب البعض في “14 آذار”، بمقاطعة المجلس النيابي، والتعاطي مع الاستحقاق الرئاسي بنوع من التجاهل، وتصِل الى حد تطبيق العصيان المدني وكل أشكال التحرّك السلمية الأخرى.

ستظهر في شوارع بيروت كتابات على الجدران تدعو الى المقاومة السلمية، وسيتحرّك المجتمع المدني والقوى والشرائح الشعبية، كلّ على طريقته، لكنّ الأهم أنّ أيّ شكل من أشكال الاتصال مع “حزب الله” سينقطع، وأنّ القنوات الموازية مع الرئيس برّي (الرئيس فؤاد السنيورة) ستجَمَّد، فلا فائدة تُذكَر بعد اليوم في الإبقاء على شعرة معاوية طالما أنّ مسلسل الاغتيال قد استؤنِف.

في لعبة الذهاب الى الحد الأقصى، يجِد “حزب الله” نفسه مدفوعاً بالوقوف في وجه حكومة ما يسمّيه بالأمر الواقع، بعد فشل تجربة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وبعد التورّط في القتال داخل سوريا وما استجَلبهُ من عمليات إرهابية في قلب الضاحية.

يحتاج “حزب الله” الى حكومة شراكة مع قوى “14 آذار”، على أن يترأس هذه الحكومة سعد الحريري أو فؤاد السنيورة. هناك اعتبارات كثيرة تقف وراء هذا التوجّه. يقترب الحزب من التعامل مع استحقاقات مفصلية. المحكمة الدولية آتية مع ما ستكشفه في المحاكمات، ومهما فعل الحزب فإنّ دينامية هذه المحاكمة ستسير في اتجاه إدانته في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. من جهة ثانية، يُشكّل التفاوض الإيراني – الأميركي استحقاقاً آخر للحزب الذي يتوجَّس من نتائج هذا التفاوض، وما ستؤدي اليه من دفع أثمان في سوريا ولبنان والعراق. وهذا يشكّل بحدّ ذاته عامل قلق لا بدّ من استيعابه لبنانياً بالتظَلّل بحكومة وفاق وطني.

أمام هذا الانسداد الحاصل، تصبح مهمة الرئيسين ميشال سليمان وتمام سلام أشبَه بمهمة إنتاج حكومة الخيار الأخير، وهما على الأرجح يستعدان لتوقيع مرسوم هذه التشكيلة الوزارية، على رغم كلّ التهديدات التي تلقّياها في السر والعلن.

ليس خافياً أنّ كلاماً تهويلياً تمّ إيصاله للرئيس سلام، لثَنيه عن تأليف الحكومة، في حين تعرَّض رئيس الجمهورية لكلام مماثِل من خلال المنابر.

حكومة الواقع ستُبصر النور في الايام المقبلة، وستكون على قياس المرحلة الاستثنائية التي بدأت مع اغتيال شطح وتفجيرات الضاحية الجنوبية المتتالية. فهل ستستطيع تخطَّي ما سيواجهها، أم أنها ستكون عنواناً أولياً لبداية تفكّك الدولة؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل