في الوقت الذي كانت فيه الاتهامات السياسية في لبنان تُقذف من جهة الى أخرى، كان أهالي الضاحية الجنوبية يلملمون أشلاءهم ويوزّعون جثثهم وجرحاهم على المستشفيات في مشهد بات يلازمهم بشكل شبه دائم، وكأن الموت قد كُتب عليهم كما كُتب على غيرهم من اللبنانيين الذين يبدو أنهم أيقنوا، ولو متأخرين أن ما فرّقته السياسة في بلادهم لن يجمعه سوى الموت.
على أبواب العام الجديد كان لبنان على موعد مع “هدية” جديدة وصلته هذه المرّة من شارع حارة حريك العريض، هدية مشحونة بالموت وممزوجة بالألم تعوّد الشعب اللبناني وتحديداً أهالي الضاحية الجنوبية على تلقيها بين فترة وأخرى، صيحات كانت تعلو على أنين الأوجاع يكابرون على أنفسهم، “سنبقى أوفياء للمقاومة” لكن داخل النفوس كان هناك لوم وعتب على الجهات التي أوصلت هذه المنطقة الى هذا “الوضع المأزوم الذي نحن عليه اليوم”.
في البال صور جديدة لشهداء جدد تُحفر في وجدان اللبنانيين على الدوام، أصوات كانت تشق طريقها بين الدمار والدخان الأسود وهي تُنادي على أسماء كانت موجودة قبل وقوع الانفجار قبل أن تختفي في لمح البصر عن مسرح الجريمة فتعذّر سماعها، فالأسماء غادرت أمكنتها على متن رحلتها الأخيرة بعدما استودعت عمرها ببضع كلمات عبّرت من خلالها الشهيدة ملاك زهوي ابنة الستة عشر ربيعاً التي سقطت مع والدتها ايمان حجازي وذلك قبل يومين من استشهادها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي بقولها “اللهم إني استودعك عاماً مضى من عمري وسأستقبل عاماً لا أعرف ما فيه ولكن الأمل في داخلي يهمس بأنه سيكون عاماً جميلاً بإذن الله”.
من مستشفى بهمن الذي يقع على مقربة من مكان الانفجار، كانت أصوات الغضب والوجع تصدح في أصداء الضاحية، هنا كان اللوم الواضح على “حزب الله” يخرج من داخل النفوس فكل المحرّمات تسقط أمام الجثث والأشلاء “يطلعوا من سوريا شو في إلنا هونيك”. جملة تقولها سيدة جاءت تسأل عن جريحة من آل بغدادي، أمّا في المقلب الآخر، فبينما كان يصعب على الحاج محمد التعرّف الى وجه ولده بسبب الدماء التي غطّت وجهه بالكامل، كان شقيق علي خضرا يسأل عن مصير شقيقه متنقلاً من مكان الجريمة الى مستشفيّي بهمن و”الرسول الأعظم” حاملاً صورته علّه يجده بين الجرحى قبل أن يصله خبر مقتله.
بعد ساعات على التفجير كان هناك عدد من الجموع من أهالي المنطقة ما زالوا موجودين بالقرب من مكان الانفجار يتهامسون في ما بينهم حول قدرة الانتحاري في الوصول الى هذه النقطة التي تعتبر أمنية بامتياز لو لم يكن هناك تواطؤ مع جهات تعمل داخل الضاحية، ومن ضمن ما تم تداوله أن هذا الشارع الواقع خلف مكان الانفجار يسكنه العديد من الشخصيّات المهمة في “حزب الله” إضافة الى أن مطعم الجواد هو ملك للحزب وغالباً ما يكون مكاناً للاجتماعات التي تُعقد بين قياداته وللتدليل على أهمية هذه المنطقة بالتحديد يقول المطلعون على بعض أسرار الحزب إن عدداً كبيراً من عملاء العدو الإسرائيلي الذين قُبض عليهم في السابق قد جرى رصدهم في هذا الشارع وهذا يدل على أهمية المنطقة من الجهة الأمنية بالنسبة للحزب.
يبدو أن خط سير لبنان، ومعه خط الضاحية، متجه في الفترة المقبلة الى مزيد من التصعيد، هذا ما بدأ يتحسب له اللبنانيون منذ الأمس تحديداً مع الانفلات الواضح في الإعلام التابع لـ”حزب الله” الذي بدأ يُعد العدّة للانتقال الى موقعة جديدة عوانها “التأليف الحكومي” خصوصاً لجهة ربطه بين تفجير حارة حريك وبين التأليف بحد ذاته وكأنه إذا ما حصل بالفعل فإن الحزب سيعتبره استهدافاً له يُشبه الاستهداف الأول ما يُنذر بوضع صعب مقبل سوف تغيب عنه ملامح الأمن والأمان، ومن هنا فقد جيّر “حزب الله” موقعة الدم الأخيرة لصالحه من خلال إعادة توزيع قواه العسكرية والسياسية بين خطّي سوريا و”بعبدا” بشكل يتناسب مع حجم توقعاته المستقبلية.
وبين انشغال الحزب في تدبير مكائده منعاً لقيام حكومة لا تُشبه طموحاته وصور انتشال جثث وأشلاء التفجيرات التي تطال اللبنانيين مناصفة بشكل متواصل، تبقى الصورة الوحيدة التي جمعت بشكل عفوي بين شهادتي محمد الشعار وملاك زهوي عنواناً جامعاً لكل لبناني يرفض أن يتحوّل الى مجرد رقم في وطن ضاعت فيه الأحلام والأماني بعدما تحوّلت الى أشلاء توزّعت في الهواء وعلى أبواب المستشفيات.