#adsense

حزب الترغيب.. والترهيب

حجم الخط

 

قد لا يكون في مصلحة لبنان أن يرفع أحد الأحزاب سقف كلامه في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ لبنان. ففيما الكل يتّجه الى تهدئة الخطاب، والدعوة الى الحوار وإن كانت دعوة مموّهة، يخرق وزير “حزب الله” محمد فنيش بالتهديد بالعودة إلى ما قبل الطائف، ويلاقيه رئيس المجلس التنفيذي في الحزب الشيخ نبيل قاووق بترداد اسطوانة اتهام 14 آذار باحتضان التكفيريين. فالتفجير الإرهابي الذي حطّ هذه المرة في الضاحية لم يفعل فعله في محاولة لتقريب وجهات النظر ولو إعلامياً لما لهذه المحاولات من تأثير “مخدّر” على جمهور “حزب الله”.

منذ يومين، وبعد التفجير مباشرة، انخفضت نبرة المهدّدين، فلا تهديد بقطع الأيدي ولا تحذيرات “باللعب معنا”، ومن باب التهديد المبطّن انهالت الدعوات لتشكيل حكومة جامعة أو حكومة وحدة وطنية، وللعودة الى طاولة الحوار و”مواجهة الإرهاب بتعزيز الوحدة الوطنية” كما قال وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال حسين الحاج حسن. ومن موقع التفجير في الشارع العريض في حارة حريك، عمل زميله وزير الصحة علي حسن خليل على تهدئة الجماهير المعترضة على ما سمّته “إهمال القوى الأمنية”.

مهما اتّسعت الهوة التي تفصل فريقي قوى 14 و8 آذار، لا مجال للإنكار بأن خطاب التهدئة يكون سيّد الموقف في أوقات “الطوارئ” وهي ظروف استثنائية يمرّ بها لبنان، وبعدما تردّد بأن الأمين العام لـ”حزب الله” سيتحدث ليلة تفجير حارة حريك، تبيّن أن المعلومات غير دقيقة أو ربّما ألغيت الكلمة لأسباب أخرى. ومهما كانت الأسباب فقد “كفّى ووفّى” قاووق بعد التفجير بيوم واحد فقط في كلمة ألقاها أقل ما يقال فيها إنها عالية النبرة، وتحمل استفزازات لقوى 14 آذار، كما أنها تحتوي على عبارات الشحن الطائفي وتزيد المسافة الفاصلة بين الطرفين في لبنان وتوسّع هوّة الانقسام والشرخ بينهما.

لم تبرد دماء الشهداء الأبرياء بعد. وبينما دماء اللبنانيين من الطائفة الشيعية تُهرق في سوريا من دون وجه حق، ودماء اللبنانيين من كل الطوائف تُستغلّ في لبنان لإذكاء الفتنة، لم يجد قاووق سبيلاً الى التعبير عن وجهة نظره سوى في تصنيف “التكفيريين وقوى 14 آذار” في الخندق ذاته وقال بأن لهما “هدفاً واحداً ومصدر تمويل واحداً وخطاباً واحداً”… وهذه الاتهامات وجّهها قاووق لقوى 14 آذار من دون الاستناد الى أي تحقيق أو أدلة، فضلاً عن أن كلاً من “جبهة النصرة” و”داعش” أصدرت بياناً أكّدت فيه أنها ستدخل لبنان ولن تغادر إلا بعدما يخرج “حزب الله” من سوريا… فهذا ما جناه “حزب الله” على لبنان، استدرج التكفيريين واستجرّ الفتنة والتفجير واتّهم قوى 14 آذار بذلك.

وكلام قاووق يضع الكثير من علامات الاستفهام. فإن فرضية ثنائية التكفيريين وقوى 14 آذار تعني بأن “حزب الله” ومعه النظام السوري اللذين يقاتلان التكفيريين حتى إلغائهم، كلاهما يقاتل قوى 14 آذار بالطريقة عينها، أي حتى إلغائها… فهل سيفكّر اللبنانيون مرّتين بمن قتل الوزير الشهيد محمد شطح… وبمن يريد إلغاء قوى 14 آذار؟

والحزب صاحب “الانتصارات الإلهية”، متعدد المواهب. فهو يتّبع نصائح المفكّر السياسي نيقولا مكيافيل للحاكم بأن يبقى دوماً على أهبّة الاستعداد للحرب وبأن يشعر جمهوره بأنه مهدّد بالخطر وبأن هناك من يريد أن يسلبه دوره وأن يحلّ مكانه. إنما في الواقع فقد احتلّ “حزب الله” مكان الدولة، وساعدته مواهبه في تخويف جمهوره من الآخر على أداء دوره الذي بات اليوم مستهدفاً من “ثلاثي إسرائيلي وتكفيري والأدوات الأميركية في الداخل”. وفي حين يفترض على قيادات “حزب الله” التبصّر بما يصيب اللبنانيين في الضاحية، فهي تتّجه نحو إلهاء جمهورها بالقشور وغضّ الطرف عن لبّ الموضوع، واتّخاذ الإجراءات اللازمة لتجنيب لبنان هذه الفترة العصيبة المقبلة.

يبدو أن عبارة “ما قبل اغتيال الشهيد محمد شطح ليس كما بعده” أثارت رعباً في نفوس “حزب الله” لن يقوى على مواجهته بالسلاح. وإذ يعترف قاووق بأن “لبنان يمرّ في مرحلة شديدة الاحتقان والخطورة” فإنه لا يساهم في تهدئة الخطاب ولا في تخفيف النبرة، فكيف السبيل الى تهدئة النفوس بخطابٍ عالٍ والتخفيف من الاحتقان بتوجيه الاتهامات؟

بالنسبة الى “حزب الله” فإن قبل الحكومة وما بعدها وقبل المحكمة وما بعدها سيكون سيّان. وإن لم يكن من وسيلة لدى الحزب للوصول الى تعطيل المحكمة فإنه لا بدّ سيسعى الى تعطيل تشكيل الحكومة ربّما لـ”300 سنة”، فمن يدري. والحكومة التي ترضي الحزب هي تلك التي “تأخذه نحو الاستقرار” كما قال قاووق، وإن كانت تشبه الحكومة الحالية المستقيلة، فهي طبعاً لم تأخذ لبنان الى الاستقرار، وما يعيشه الوطن الصغير اليوم سيكون عيّنة مما سيختبره في حال شكّل الحزب الحكومة. ولا ينشد اللبنانيون في ظل هذه التهديدات والتحذيرات سوى حكومة تكون على صورة رئيس الجمهورية ومثاله.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل