#adsense

.. والربيع العربي عام 2013

حجم الخط

من الطبيعي أن ترتفع أصواتٌ من هنا وهناك، وتحاليل ومقاربات واستنتاجات تنعى الربيع العربي؛ وتُنذر بانقلابه إلى معصية وخراب أصابا العقول والناس والأفكار والآمال والأوطان. ومن الطبيعي ان يرى “مقاومو” هذا الربيع انه بات شتاء، وأن الناس والشعوب فقدت بوصلاتها. لكن ما هو طبيعي أيضاً وبالنسبة إلى العموم ان هذا الربيع لم يكن منذ طلوعه صراعاً قصير الأمد، ولا ظاهرة هي أقرب إلى الفقاعة منها إلى الانفجار الشامل. ان هذه الرؤى التي ترصد ما يحصل في العالم العربي، يُعوزُها قبل كل شيء الصبر والتأني والانتظار والابتعاد عن مقاربة الأمور مقاربة آنية. فهذا الربيع هو “فتح” جديد بكل المقاييس والشروط والمتطلبات. ويحتاج قبل كل شيء إلى تغيير الأدوات القديمة، أو الأحرى، استخدام الأدوات القديمة بمنظور مرتبط ميدانياً وفكرياً بالمعطيات التي ساعدت على انفجاره. هناك تاريخ عربي جديد بدأت ملامحه بالظهور. وكل تاريخ جديد يتلمس نظرة طالعة من عناصره. ولهذا لا يمكن اللجوء إلى الأيديولوجيات والأساليب وأشكال التعاطي السابقة لتحديد ظواهر ما نراه في الشارع العربي. قرأنا كتابات رأت انَّ عام 2013 طوى صفحة التغيير. وأخرى رأت ان التغيير إذا ما وقع فللأسوأ والأخطر. ان حنيناً ما إلى العهود السابقة، عهود الطغاة، وأنظمة الاستبداد، والطغيان. بدأ يظهر، أو ينضح أو يكبر أو يتضخّم عند كثيرين، لا سيما، مع بروز الحركات الدينية المتطرفة، والعنيفة والدموية والصراعات اللاهثة حول السلطة والتدخلات الخارجية.

بل راح بعضهم يقول إن الشعب العربي عاجز “جينياً” وخَلقياً عن فعل التغيير، وانه غير مؤهل بمستوياته وتواريخه وبنياته الجماعية والفردية لتنفيذ ذلك. والدليل انه فشل حتى الآن في تحديد اولوياته ومشاريعه في الانتقال من الزمن الدكتاتوري الفردي إلى الزمن الديموقراطي الشعبي. ويضربون مثلاً ما يجري في ليبيا وفي سوريا وتونس وسوريا ومصر. خمس ثورات مرتبطة فيها من القواسم المشتركة ما فيها من الاختلافات والتمايزات. ويتوقفون عند العام 2013 وكأنه الفاصل بين نجاح هذه الثورات وفشلها، وصولاً إلى نشر منطق المفاضلة بين ما كان قائماً، وما هو واقع اليوم ويجزم بعضهم ان لا شيء تغير، وآخر بل هناك ما تغير إلى الأسوأ، وآخر بل هناك ما يهدد وجود الأمة العربية. ونظن ان مثل هذه “الاستنتاجات” على ما تتضمن من مرارة، ليست كل شيء، ولا تعبر عن كل شيء. فلنقل انها قراءة مبكرة.

وكأن مثل هذه الاجتراحات التاريخية الربيعية كانت خطيئة أصلية، يجب التكفير عنها بالاستسلام لفلول الأنظمة القديمة، ولطلائع الحركات التنظيمية الدينية والمذهبية. بل وكأنهم يطالبون الشعب المنتفض بشهدائه ومناضليه ويحثونه في أفضل الأحوال على اليأس والقنوط والقبول بمنطق من يريد حصول كل شيء دفعة واحدة. هكذا بكبسة زر. وإذا كان 2013 شهد ما شهد من غلبة العنف، والمجازر والجنون فهذا لا يعني اطلاقاً ان الذين افتتحوا الربيع العربي أصيبوا كلهم بها ولو مارسها بعضهم دفاعاً او مواجهة. كلنا يعرف ان خميرة “الربيع العربي” الأولى تجلت بتحركات سلمية بتظاهرات وتعابير لم تكن مألوفة عندنا ايام الطغاة وأنظمة الطوارئ والقمع والاستئثار والمنع وتحريم حرية التحرك والاحتجاج. هذه الخميرة الشعبية النضرة والينبوعية هي التي افتتحت الثورة في تونس. أي ظهور القوى المدنية منظمة كانت أم غير منظمة، كانت بمثابة “معجزة” أو حالة عجائبية. وان الذين “حرروا” الشارع في تونس، لم يكونوا لا من اهل النظريات المعلبة ولا من بتوع الكتب ولا من ممتهين السياسة، ولا من مفكري المؤتمرات انفجروا في الشارع وقالوا “جاء زمن التغيير من دون مشاريع واضحة ولا استراتيجيات ولا أفكار جاهزة. الكتل الشعبية هذه كانت مزيجاً من كل الناس. من الفقراء. ومن البرجوازيين ومن المتعلمين وغير المتعلمين؛ بدأ الربيع العربي في تونس بصرخة تشبه تفتح الزهور وفوح الحرية والاقدام على قرار الثورة انما بعفوية بالغة وبغضب شاسع ثورة كبيرة بأفكار قليلة؟ جموح طاغ لكن بمسارات ملتبسة. مع هذا سقط نظام بن علي. وفاز “الاخوان” (حزب النهضة) بالانتخابات.
وهذا لا يعني اطلاقاً ان الأخوان يمثلون الثورة وحدهم أو هم بادأوا بها. على العكس، كان هؤلاء في خلفية الخلف في كواليس المشهد، ولكن عرفوا بتنظيمهم كيف “يسطون” على الانتخابات. وبعد سنوات من “هذا الربيع” عجز “الأخوان” عن التفرد وفشلوا في مقاليد الحكم وظهروا مفلسين، لا هم رجال دولة ولا هم أهل ثقة… وضمن هذه المدة القصيرة ظهرت شرائح واسعة، ونقابات وأحزاب واجتاحت الشوارع بمظاهرات سلمية ضخمة وبادارة سياسية على حداثتها ناجعة إلى حد كبير على الرغم من الشوائب. لم يعد أحدُ قادراً على التفرد في السلطة. لا قائد واحد. ولا حزب مختار. ولا مخلّص فرد. كل شيء بات يطلع من الناس . من الميادين. وبرز هذا التعدد الذي كان محظوراً في الآراء والمقاربات والأطراف. ظُهّرت صورة الشعب وانتماءاته القديمة واندفاعاته الجديدة، بين يسار ويمين وقومي وناصري وعروبي وديني وعلماني ونقابي… انه المجتمع المدني، نتاج “الخميرة الأولى للثورة. ليتجلى. هنا بالذات يمكن ان ننتظر القوى المضادة للتغيير، هنا بالذات يمكن لحظ ما يُهدد المسار الديموقراطي: الجنون غير المدني، العقول العنيفة، الظواهر الانقلابية التي تجسدت في حزب “النهضة” نفسه، وما رافقها من اغتيالات وتكفير وتخوين. ومن هذه النقطة بالذات تُطل عقلية الطغاة القديمة لكن بلبوس عسكري، أو ديني، أو فقهي، من هنا تطل بوادر التفرد، والاستئثار. لكن على الرغم من كل ذلك بدا ان المراهنين على القوى غير المدنية والسلفية الأخوانية وكأنهم محبطون. تساقطت أجزاء كثيرة من مشروعهم الشمولي، التوتاليتاري الغيبي والعدمي والإقصائي. فشلوا في اعادة تونس إلى ما كانت عليه من تسلط فردي، بأقنعتهم وقشورهم “الجهادية” والدينية. فالشعب هو الذي يفترض ان يحكم بأفكار وأدوات ديموقراطية وليس الأحكام “العلوية” ولغة الجنة والنار والتهديد… لكن، ومن الطبيعي حتى الآن انه اذا فشلت القوى الفاشية، فلا يعني أن القوى الديموقراطية والوطنية قد نجحت تماماً… فالصراع السياسي بات واقعاً. والتعددية دامغة. وهذا بالذات ما يجعلنا نطالب هذه القوى الديموقراطية ببلورة مشاريعها، وتوضيح ادواتها النضالية، ارتباطاً بالواقع المتحول والمفتوح.

وعام 2013 كان أيضاً عام الثورة المصرية وانفجار الربيع الثاني بـ 30 مليون متظاهر. وتهاوي شعبية الأخوان إلى الحضيض بعدما فشلوا في الحكم فشلاً ذريعاً وحاولوا، بعد سرقة الثورة في بداياتها ان يسرقوا الدولة كلها بعدما تسلموا مقاليدها. فكما انهارت الصورة المثالية “المقدسة” لحزب النهضة في تونس.. ها هي صورة الأخوان مشوهة بالفساد والطغيان والتبعية والارهاب فكأنها بدت صورة مقلوبة للنظام القديم. اسقط الشعب المصري بتظاهرة “تمرد” حكم الأخوان بعد عام فقط. لم يصمدوا أكثر من عام. وها هم اليوم يلجأون إلى العنف والتفجيرات (آخرها تفجير المنصورة) واحتلال الميادين بالقوة واحراق المحال. “خميرة” الربيع العربي في مصر هي التي بقيت نضرة وصالحة بعدما ظن كثيرون ان كل شيء انتهى. اقصد العقل المدني، والمنحى الديموقراطي والوسائل الشعبية السلمية. وكأن الواقع المصري اليوم بدأ يبحث عن وسائله الخاصة. عن أفكاره الجديدة. عن وجهات كانت محظورة: انه منقسم فعلياً بين جماعات قررت باسم “الشرعية” (المفقودة) اللجوء إلى الخيار الشمشوني: تدمير المعبد على رؤوس من فيه، تدمير مصر، ومؤسساتها، وافتعال حرب أهلية. وأخرى تسلك طرق التغيير المتعددة.

أهذا تفاؤل مُفرط؟ ربما! أهناك خشية من منزلقات؟ نعم! وهنا نتساءل عن غياب الثورة المصرية الثانية بعد تظاهرات “تمرد” وكأنها سلّمت أمورها وناسها ومآلاتها واراداتها إلى سواها. بل وكأن المعركة اليوم باتت بين الجيش والأخوان ولا أحد بينهما. وهذا خطير جداً ويجب على القوى الشبابية والديموقراطية والمدنية أن تسترد المبادرة وتؤكد وجودها لكي لا تجد نفسها مستقبلاً، في حاجة إلى ثورة ثالثة غير مضمونة النتائج تعجز فيها عن الحفاظ على انجازاتها التاريخية… أو ترى النظام القديم يتكرر بسمات أخرى.

أما في سوريا “فالخميرة” الثورية ما زالت نضرة في عامها الثالث 2013 كان عام التآمر الدولي (أميركا الغرب، اسرائيل ايران، العراق (النظام على الثورة السورية). “حوصرت منابت الثورة السلمية التي انفجرت في درعا بـ 500 ألف متظاهر، لتغرق هذه القوى الخارجية الدكتاتورية (خامنئي ، نتنياهو، بوتين…) في مساراتها الاصلية، وتحولها صراعاً مذهبياً (حزب الله انخرط في الحرب تنفيذاً لقرار ايران بعنوان مذهبي “مقام السيدة زينب والدفاع عن شيعة لبنانيين داخل الحدود السورية) وعندما فتح النظام السوري السجون وافرج عن التكفيريين من “النصرة” ثم داعش، بدأت وسائل الاعلام الغربية ووسائل النظام السورية بتصوير المعركة كلها وكأنها بين “التكفيريين” والقوى المدنية والحضارية أو بين الارهاب والمجتمع المدني! (اي بتوع النظام) ثم وليطمر النظام هذه الخميرة الأولى الحية المدنية، جرّ الجميع إلى حرب أهلية مسلحة. واذا كان البعض يرى في 2013 ترجيح موازين القوة على الأرض للنظام، بعد الكيماوي والسكود والبراميل المتفجرة والقصف الجوي والمدافع والراجمات وازدياد مرتزقته. فان ما هو صحيح كذلك ان النظام لم يسترد اي شرعية له. بل أكثر: نقول “النظام” وقد سقط والدولة وقد انهارت. صار هذا اللانظام تحت وصاية النظام الايراني بكليته. جمهورية بلا نظام. ونظام بلا جمهورية. ونظن ان محاولة من تبقى في القصور السياسية القديمة إشعال الفتنة المذهبية في لبنان (متفجرتا طرابلس، مؤامرة سماحة المملوك…) ليست سوى مظهر ضعف من هؤلاء. فروسيا وأميركا واسرئيل وايران ونظام العراق… جردته قبل كل شيء من مخزونه الكيماوي وكذلك ايران من مشروعها النووي. هذا الثمن قد تكبد “البعث” وولاية الفقيه ثمناً لضرب الربيع العربي. صفقة مقابل صفقة. جني 2 مقابل الحوار. لكن معظم الصيغ المطروحة (حتى الآن) لم تورد او تلحظ بقاء النظام أو الرئيس الأسد في المعادلة الجديدة. وماذا يعني ذلك سوى اعلان مدوٍ، وصريح ودولي وعربي لنهاية النظام العائلي. ولهذا فالتوازنات العسكرية على الأرض هي جزء من المعادلة وجزء من المعركة. باعتبار ان الثورة بخميرتها الشعبية ما زالت قائمة وان المخزون البشري من المقاومين ما زال متدفقاً في مواجهة شرسة مع قوى خارجية كبرى… والمراهنون على انتصار من تبقى من “رموز” النظام وحزب الله (الذي تضرج بدماء السوريين) ضيقّو الأفق: فهذه ثورة شعبية وليست مجرد معركة عسكرية. والدليل انه لو استُفتي السوريون اليوم من نازحين ومهجرين ومقيمين حول ما يجري، لصرخوا: نعم! نحن صامدون.. ولن يبقى “نظام” يقتل ويُهجر شعبه…

من هذه النظرة العجلى على واقع الربيع العربي عام 2013 يمكن استخلاص:
1 سقطت كل الأنظمة التي انطلقت فيها الثورة الشعبية من تونس إلى ليبيا، إلى مصر، إلى اليمن، إلى سوريا..
2- البدائل باتت صراعاً سياسياً ولم يكن في تلك الأنظمة السابقة ما يسمى “حياة سياسية”.

3 سقوط صدقية التنظيمات الأخوانية وانهيار شعبيتها وتحولها إلى لغة السلاح اي خروجها على مبادئ الثورة الشعبية المدنية.
4 تكريس استمرار تحرير الميادين لتكون المساحة التعبيرية الجديدة للقوى الثورية (30 مليوناً نزلوا الى الشوارع لإسقاط مرسي) ومليون ونصف مليون في تونس تنديداً باغتيال المناضلين التونسيين. واستمرار التظاهرات الشعبية في سوريا على الرغم من البراميل المتفجرة كل يوم جمعة. (انها الخمائر).

5 بلورة مفاهيم جديدة للثوار طالعة من عمق الواقع والتحولات وهذه ناحية مهمة جداً.
6 افراز الثورة ثقافتها الجديدة، من فكرية وأدبية وفنية وسياسية. فكأن زمناً تولى وآخر اطّل. بل وكأننا أمام ثقافة جديدة تتصل بأفكار التنوير والعروبة والنهضة الجديدة. منفحتة على الظواهر الجديدة.

7 ترسيخ دور وسائل الاتصال التكنولوجية في تجاوز محرمات الأنظمة في خدمة الشحن الشعبي والتواصل الاجتماعي.
8 استفادة المفكرين والكتاب والصحافيين من تجربة الميادين والتحركات وحركة المهجرين والكتل الشعبية: فمن هناك تبدأ “النظريات” أو الأفكار… اي من تحت، وليس من الكتب المعلبة والأيديولوجيات الفوقية. ونظن ان صدور عشرات الكتب العربية وغير العربية والشهادات الاعلامية وواقع النازحين والمقيمين والثوار وبمعيش هؤلاء وتجاربهم هي ذخيرة وينبوع لا بد من اعتبارها مادة أساسية لفهم الواقع، وبناء الاستنتاجات وليس “التفلسف” من أبراج عاجية، أو من مدارس فقهية أو فلسفية، أو نظريات لم تعد صالحة لاسقاطها على المعطيات المركبة التي يفرزها الربيع العربي!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل