لعلّ ما نطق به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أمس يعبر عن آراء كثيرين من اللبنانيين الذين، وان انقسموا في الاصطفافات السياسية، لا يريد أي منهم بلوغ الخلاف السياسي حد إلغاء الاخر بقتله وتفجيره، كأن كل خطوط الحوار وسبل العيش معا انقطعت، ولم يعد سوى القتل سبيلاً لفرض الرأي والنفوذ. فقد حمّل الراعي “الفريقين السياسيين المتنازعين عندنا في لبنان المسؤولية عن الانفجارات والاعتداءات وضحاياها وأضرارها”.
ان الاندفاع المجنون الى الارهاب والقتل والتفجير والحرق وما قد يستتبع ذلك في ظل الخطابات التي تزداد تشنجا لتجعل أوضاعنا لصيقة بما يجري في سوريا والعراق وبلدان اخرى، لا يترك مجالا للتمييز في المسؤولية، وفي السبب والمسبب، وفي امكان اخراج الحلول، اذ يكاد صوت التفجير يطغى على كل صوت، ملغيا امكان ان يعلو كل صوت للعقل. وربما كانت المسؤولية الكبرى تقع على دعاة العقل، والانفتاح، وحب الحياة، اذ عليهم ان يفسحوا في المجال لخيارات وسبل تحفظ الوطن الذي دفعوا لبقائه أثماناً باهظة، في مقابل المغامرين والعابثين بمستقبل البلد وبحياة ناسه.
وفي مقابل الشر المستطير عندنا، ورفض الاصغاء الى الاخر، وخطب التكفير التي تقابلها تهديدات من كل صنف ولون، وتجسدها تفجيرات واغتيالات، نسمع صوتاً نبوياً من الفاتيكان، يقول بلسان البابا فرنسيس “ان كل الاديان صحيحة، لأنها صحيحة في قلوب الذين يؤمنون بها”، وهذا تطور فكري وايماني عميق وضروري لعالمنا، لأن فيه تأكيداً لكون الحقيقة تستمد قوتها من ايمان الناس واعترافهم بها، وان الاديان كحقائق بشرية تستمد قوتها من الناس، هي للناس، وللقائهم في انسانيتهم، ووجدت لخيرهم، لا لعذابهم ولا لقتلهم.
ومحليا، سمعنا كلاما مماثلاً من الاب ابرهيم سروج، الذي احرقت مكتبته في طرابلس، اذ قال رداً على المعتدين وعلى الفعل المشين: “أشكر الله الذي قلب المرارة حلاوة وأخرج من الصخر ماء، أنا عندما رأيت المتضامنين معي شعرت بغبطة في قلبي، أرادوا أن يجعلوني أخاف وأقبع في زاوية من الزوايا فرأوا العالم أجمع متضامناً معي أنا العبد الفقير، وأكثر ما عزّى قلبي هم هؤلاء الشباب الذين أتوا من تلقاء أنفسهم ليلملموا ما تبقى من المكتبة ويرتبوها.
أرادوا أن يثيروا فتنة بين المسلمين والمسيحيين، لكن الجميع يعرفون أنني أنا الأب سروج منذ صغري أحمل لواء المسلمين وأخدمهم من كل ذاتي وأنا اليوم أقول: أنا أؤمن بيسوع المسيح فليس من شيمي أن أسيء لمخلوق صغير كيف إذاً أسيء لنبيّ أمّة؟ وأقول له أيضاً إنني أحبّ الذين أحرقوا مكتبتي وأشكرهم لأنهم تركوا الشاب الذي يعمل فيها على قيد الحياة وتركوني أنا كذلك حيّاً وأغفر لهم كما غفر البابا يوحنا بولس الثاني للشاب التركي الذي أطلق النار عليه”.
هذا ما يحتاج اليه لبنان. كلام نبوي وخطاب محبة في مقابل التكفير والتحدي ورفض الاخر وتحليل دمه. وبعدم اتباع هذا الخط، تكون المجموعات اللبنانية السياسية كلها مسؤولة عن تدمير البلد وضياع مستقبل ابنائه، هذا ان اجيزت لهؤلاء الحياة ليشرعوا في بناء مستقبل ما.